تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
الخصم ومعاركة القرن ، بعيد العهد بالمصاع والدفاع والوقاع ، وكان سبب هذا الجبن والخور قلّة الضّراوة على هذه الأحوال ، ولقد خزي في مشاهد عظيمة . وأمّا يقينه فكان ضعيفا ، وأما سيرته فكانت واقفة على حبّ الرئاسة وبذل المال والجاه إذا حضرا ، مع تعصّب شديد لمن قدّمه وأحبّه ، وإنحاء مفرط على من عاداه ، وكان خوضه في الدول والولايات - ولهذا رغب عنه الواسطيّ وكان أخا ورع ودين وقال : هذا منفّر عن الدين والمذهب ، ودافع للناس عن القول بالحق ، وطارح للشبهة في القلوب - . وكان يجهر بهذا وأشباهه ، ولكن كان جاه الرجل لا ينتقص بهذا القدر وركنه لا يتخلخل على هذا الهدّ ، لأسباب انعقدت له ، وأصحاب ذبّوا عنه . وأما ابن الملّاح فشيخ حسن المعرفة بالمذهب ، شديد التوقّي ، محمود القناعة ظاهر الرضا ، تدل سيرته الجميلة على أنّه حسن العقيدة . وأما ابن المعلّم فحسن اللّسان والجدل ، صبور على الخصم ، كثير الحيلة ظنين « 1 » السرّ ، جميل العلانيّة . وأمّا أبو إسحاق النصيبي فدقيق الكلام ، يشكّ في النبوّات كلّها ، وقد سمعت منه فيها شبها ، ولغته معقّدة ، وله أدب واسع ، ولقد أضلّ بهمذان كاتب فخر الدولة ابن المرزبان . وحمله على قلّة الاكتراث بظلم الرعيّة ، وأراه أنه لا حرج عليه في غبنهم لأنهم بهائم ، وما خرج من الجبل حتى افتضح . وأما ابن خيران فشيخ لا يعدو الفقه ، وفيه سلامة . وأما الدّاركي فقد اتخذ الشهادة مكسبة ، وهو يأكل الدنيا بالدين ، ويغلب عليه اللّواط ، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة ، ولقد تهتّك بنيسابور قديما ، وببغداد حديثا ، هذا مع الفدامة والوخامة ، ولقد ندّ بجعل غلام ، وهو اليوم قاضي الري . وابن عبّاد يكنفه ويقرّبه ليكون داعية له ونائبا عنه ، وليس له أصل وهو من سواد همذان ، وأبوه كان فلّاحا ، ولقد رأيته ، إلّا أنّه تأتى لابن عباد في سمته ولزوم ناموسه حتى خفّ عليه ، وهو اليوم قارون ، وقد علت رتبته في الكلام حتّى لا مزيد عليها ، إلا أنه مع ذلك نغل « 2 » الباطن ، خبيث الخبء ، قليل اليقين ، وذلك أن الطريقة التي قد لزموها وسلكوها لا تفضي بهم إلا إلى الشك والارتياب ، لأن الدّين لم يأت بكمّ وكيف في كلّ باب ، ولهذا كان لأصحاب الحديث أنصار الأثر ، مزية على أصحاب الكلام وأهل النظر ، والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر المحشوّ بالشكّ والريبة ، ولم يأت
هامش
( 1 ) أي متهم . ( 2 ) النغل : الفاسد السيئ .