تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
والتوزيع الإنساني ، فصواب بديهة الفكرة من سلامة العقل ، وصواب رويّة الفكرة من صحّة الطباع ، وصحّة الطباع من موافقة المزاج ، وموافقة المزاج بالمدد الاتّفاقي والاتفاق الغيبيّ ، أعني بهذا أن وجه الحادث المجهول عندنا اتفاق ، ووجه الحادث المعلوم عند اللّه عزّ وجلّ غيب ، فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق ، ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب . فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة معروفة ، وبين نادر لا يدوم العهد به ، فدلّ ما ظهر واستمرّ على ما جاد به ووهب ، ودلّ ما غاب واستتر على ما تفرّد به وغلب . ولما كان الحيوان كلّه يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرة قائمة ، وكان الإنسان يتصرّف فيها بالاختيار ، صحّ له من الإلهام نصيب حتى يكون رفدا له في اختياره ، وكذلك يكون النحل أيضا ، صحّ له من الاختيار قسط في إلهامه حتى يكون ذلك معينا في اضطراره ، إلّا أن نصيب الإنسان من الإلهام أقلّ كما أن قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر ، وثمرة اختيار الإنسان إذا كان معانا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى وأرفع من ثمرة غيره من الحيوان إذا كان مرفودا بالاختيار ، لأنّ قوّة الاختيار في الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام في الإنسان كالظلّ . ومراتب الإنسان في العلم ثلاث تظهر في ثلاث أنفس ، فأحدهم ملهم فيتعلّم ويعمل ، ويصير مبدأ للمقتبسين منه ، المقتدين به ، الآخذين عنه ، الحاذين على مثاله ، المارّين على غراره ، القافين على آثاره ، وواحد يتعلّم ولا يلهم فهو يماثل الأوّل في الدرجة الثانية ، أعني التعلّم ، وواحد يتعلّم ويلهم ، فتجتمع له هاتان الخلّتان ، فيصير بقليل ما يتعلّم مكثرا للعمل والعلم بقوّة ما يلهم ويعود بكثرة ما يلهم مصفّيا لكل ما يتعلّم ويعمل . والكلام في هذه المواضع ربّما جمح فلم يمكن كفّه ، فينبغي أن يضح العذر إذا عرض تفاوت في الترتيب ، ودخل الخلل من ناحية التقريب . وقال أبو سليمان لنا في هذه الأيام : الإنسان بين طبيعته وهي عليه وبين نفسه وهي له ، كالمنتهب المتوزّع ، فإن استمد من العقل نوره وشعاعه قوي ما هو له من النفس ، وضعف ما هو عليه من الطبيعة وإلا فقد قوي ما هو عليه من الطبيعة وضعف ما هو له من النفس . وحكى لنا فقال : كان للحكماء الأوّلين مثل يضربونه ويكتبونه في هياكلهم ومتعبّداتهم وهو : « الملك الموكّل بالدنيا يقول : إنّ هاهنا خيرا وهاهنا شرا ، وهاهنا ما ليس بخير ولا شر ، فمن عرف هذه الثلاثة حقّ معرفتها تخلّص منّي ، ونجا سليما ، وبقي كريما ، وملك نعيما عظيما .