تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وأمّا ابن المراغيّ فلا يلحق بهؤلاء ، مع براعة اللفظ ، وسعة الحفظ ، وعزّة النفس ، وبلل الريق « 1 » ، وغزارة النّفث ، وكثرة الرواية ، ومن نظر في كتاب البهجة له عرف ما أقول ، واعتقد فوق ما أصف ، ونحل أكثر ممّا أبذل . وأما المرزبانيّ وابن شاذان وابن القرمسينيّ وابن حيّويه فهم رواة وحملة ليس لهم في ذلك نقط ولا إعجام ، ولا إسراج ولا إلجام . فقال : فصل حديثك عن هؤلاء بحديث أصحابنا الشعراء ، صف لي جماعتهم ، واذكر لي بضاعتهم ، وما خصّ كلّ واحد منهم . قلت : لست من الشعر والشعراء في شيء ، وأكره أن أخطو على دحض « 2 » ، وأحتسي غير محض . قال : دع هذا القول ، فما خضنا في شيء إلى هذا الوقت إلّا على غاية ما كان في النفس ، ونهاية ما أفاد من الأنس . فكان من الوصف : أما السّلاميّ فهو حلو الكلام ، متّسق النظام ، كأنّما يبسم عن ثغر الغمام خفيّ السرقة ، لطيف الأخذ ، واسع المذهب ، لطيف المغارس ، جميل الملابس ، لكلامه ليطة بالقلب « 3 » ، وعبث بالرّوح ، وبرد على الكبد . وأمّا الحاتميّ فغليظ اللّفظ ، كثير العقد ، يحبّ أن يكون بدويّا قحّا ، وهو لم يتمّ حضريّا ، غزير المحفوظ ، جامع بين النظم والنثر ، على تشابه بينهما في الجفوة وقلّة السّلامة ، والبعد من المسلوك ، بادي العورة فيما يقول ، لكأنما يبرز ما يخفي ، ويكدّر ما يصفي ، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر سدر « 4 » ، يتطاول شاخصا ، فيتضاءل متقاعسا ، إذا صدق فهو مهين ، وإذا كذب فهو مشين . وأما ابن جلبات فمجنون الشّعر ، متفاوت اللّفظ ، قليل البديع ، واسع الحيلة ، كثير الزّوق ، قصير الرّشاء ، كثير الغثاء ، غرّه نفاقه « 5 » ونفّقه نفاقه . وأمّا الخالع فأديب الشّعر ، صحيح النّحت ، كثير البديع ، مستوي الطريقة ،
هامش
( 1 ) كناية عن الاتساع في الكلام . ( 2 ) أي على مزلقة ومزلة للأقدام . ( 3 ) أي التصاقه به وتعلق . ( 4 ) خمر أي أصيب بالخمار وهو ألم في الرأس وصداع يعقبان السكر . وسدر : تحير أو لم يبال ما صنع ولم يهتم . ( 5 ) أي الرواج ونفّقه : روّجه .