تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩

الليلة التاسعة

وعدت ليلة أخرى فقال : فاتحة الحديث معك ، فهات ما عندك . فكان من الجواب : أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفة في نوع الإنسان ، وذلك أن الإنسان صفو الجنس الذي هو الحيوان ، والحيوان كدر النوع الذي هو الإنسان والإنسان صفو الشخص الذي هو واحد من النوع ، وما كان صفوا ومصاصا « 1 » بهذا النظر انتظم فيه من كلّ ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر ، وظهر ذلك عليه وبطن أيضا بالأقل والأكثر والأغلب والأضعف ، كالكمون الذي في طباع السبع والفأرة ، والثبات الّذي في طباع الذئب ، والتحرّز الذي في طباع الجاموس من بنات الليل ، والحذر الذي في طباع الخنزير ، والتقدم الذي في طباع الفيل أمام قطيعه تمثّلا بصاحب المقدّمة . وكذلك ضد ذلك في الخنزير تمثّلا بصاحب الساقة ، وكالحراسة التي في طباع الكلب ، وكأوب الطير إلى أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدّغل والأشب والغياض . ولهذا قال بعض الحكماء : خذ من الخنزير بكوره في الحوائج ، ومن الكلب نصحه لأهله ، ومن الهرّة لطف نفسها عند المسألة . وقالت الترك : ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عشر خصال من ضروب الحيوان : سخاء الديك ، وتحنّن الدجاجة ، ونجدة الأسد ، وحملة الخنزير وروغان الثعلب ، وصبر الكلب ، وحراسة الكركيّ ، وحذر الغراب ، وغارة الذئب ، وسمن بعروا ، وهي دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء . ولما وهب الإنسان الفطرة ، وأعين بالفكرة ، ورفد بالعقل ، جمع هذه الخصال وما هو أكثر منها لنفسه وفي نفسه ، وبسبب هذه المزية الظاهرة فضل جميع الحيوان حتى صار يبلغ منها مراده بالتسخير والإعمال واستخراج المنافع منها وإدراك الحاجات بها ، وهذه المزية التي له مستفادة بالعقل ، لأن العقل ينبوع العلم ، والطبيعة ينبوع الصناعات ، والفكر بينهما مستمل منهما ومؤدّ بعضها إلى بعض بالفيض الإمكاني
هامش
( 1 ) أي العصارة .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 109 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي