تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الجدل بخير قطّ . وقد قيل : من طلب الدين بالكلام ألحد ، ومن تتبّع غرائب الحديث كذب ، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر . وما شاعت هذه الوصيّة جزافا ، بل بعد تجربة كرّرها الزمان ، وتطاولت عليها الأيام ، يتكلم أحدهم في مائة مسألة ويورد مائة حجّة لا ترى عنده خشوعا ولا رقة ، ولا تقوى ولا دمعة ، وإن كثيرا من الذين لا يكتبون ولا يقرءون ولا يحتجّون ولا يناظرون ولا يكرمون ولا يفضّلون خير من هذه الطائفة وألين جانبا ، وأخشع قلبا ، وأتقى للّه عزّ وجلّ ، وأذكر للمعاد ، وأيقن بالثواب والعقاب ، وأقلق من الهفوة ، وألوذ باللّه من صغير الذنب ، وأرجع إلى اللّه بالتوبة ، ولم أر متكلّما في مدّة عمره بكى خشية ، أو دمعت عينه ويتلاقون متخادعين ، ويصنّفون متحاملين ، جذّ اللّه عروقهم ، واستأصل شأفتهم ، وأراح العباد والبلاد منهم ، فقد عظمت البلوى بهم ، وعظمت آفتهم على صغار الناس وكبارهم ، ودبّ داؤهم ، وعسر دواؤهم ، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا ، وساكنه متجعجعا « 1 » . قال : فما تقول في ابن الباقلاني ؟ قلت :
فما شرّ الثلاثة أمّ عمرو * بصاحبك الّذي لا تصبحينا « 2 »
يزعم أنه ينصر السنّة ويفحم المعتزلة وينشر الرواية ، وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرّميّة ، وطرائق الملحدة . قال : واللّه إن هذا لمن المصائب الكبار والمحن الغلاظ ، والأمراض التي ليس لها علاج . ثم قال : إنّ الليل قد ولّى ، والنعاس قد طرق العين عابثا ، والرأي أن نستجمّ لننشط ، ونستريح لنتعب ، وإذا حضرت في الليلة القابلة أخذنا في حديث الخلق والخلق - إن شاء اللّه - وأنا أزوّدك هذا الإعلام ليكون باعثا لك على أخذ العتاد بعد اختماره في صدرك ، وتحيل الحال به عند خوضك وفيضك ولا تجبن جبن الضعفاء ، ولكن قل واتّسع مجاهرا بما عندك ، منفقا ممّا معك . وانصرفت .
هامش
( 1 ) أي ضاربا بنفسه الأرض من وجع . ( 2 ) البيت للشاعر عمرو بن كلثوم .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 108 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي