تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
متشابه الصّناعة ، بعيد من طفرة المتحيّر ، قريب من فرصة المتخيّر ، كان ذو الكفايتين يقدّمه بالرّيّ ، ويقبله على النّشر والطّيّ . وأمّا مسكويه فلطيف اللفظ ، رطب الأطراف ، رقيق الحواشي ، سهل المأخذ ، قليل السّكب ، بطيء السّبك ، مشهور المعاني ، كثير التواني ، شديد التّوقّي ، ضعيف الترقّي ، يرد أكثر ممّا يصدر ، ويتطاول جهده ثم يقصر ، ويطير بعيدا ويقع قريبا ، ويسقي من قبل أن يغرس ، ويمتح من قبل أن يميه ، وله بعد ذلك مآخذ كشدو « 1 » من الفلسفة ، وتأتّ « 2 » في الخدمة ، وقيام برسوم النّدامة « 3 » ، وسنّة في البخل ، وغرائب من الكذب ، وهو حائل « 4 » العقل لشغفه بالكيمياء . وأمّا ابن نباتة فشاعر الوقت ، لا يدفع ما أقول إلّا حاسد أو جاهل أو معاند ، قد لحق عصابة ( سيف الدولة ) وعدا معهم ووراءهم ، حسن الحذو على مثال سكّان البادية ، لطيف الائتمام بهم ، خفيّ المغاص في واديهم ، ظاهر الإطلال على ناديهم ، هذا مع شعبة من الجنون وطائف من الوسواس . وأمّا ابن حجّاج فليس من هذه الزّمرة بشيء ، لأنّه سخيف الطريقة بعيد من الجدّ ، قريع في الهزل ، ليس للعقل من شعره منال ، ولا له في قرضه مثال ، على أنّه قويم اللّفظ ، سهل الكلام ، وشمائله نائية بالوقار عن عادته الجارية في الخسار ، وهو شريك ابن سكّرة في هذه الغرامة « 5 » ، وإذا جدّ أقعى ، وإذا هزل حكى الأفعى . وله مع ذي الكفايتين مناظرة طيّبة . قال : ما هي ؟ قلت : لما ورد ذو الكفايتين سنة أربع وستين وهزم الأتراك مع أفتكين ، وكان من الحديث ما هو مشهور ، سأل عن ابن حجاج - وكان متشوقا له لما كان يقرأ عليه من قوافيه ، فأحبّ أن يلقاه ، لأنّه ليس الخبر كالمعاينة ، والمسموع والمبصر كالأنثى والذكر ، ينزع كلّ واحد منهما إلى تمامه ، فلمّا حضره أبو عبد اللّه احتبسه للطعام ، وسمع كلامه ، وشاهد سمته ، واستحلى شمائله ، فقام من مجلسه ، فلمّا خلا به قال : يا أبا عبد اللّه ، لقد واللّه تهت عجبا منك ، فأمّا عجبي بك فقد تقدّم ، لقد كنت أفلي ديوانك ، فأتمنّى لقاءك ، وأقول : من صاحب هذا الكلام ، أطيش طائش ، وأخفّ خفيف ، وأغرم غارم ، وكيف يجالس من يكون في هذا الإهاب ؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس الكتّاب
هامش
( 1 ) شدا شدوا : أخذ طرفا من العلم والأدب . ( 2 ) أي التلطف . ( 3 ) أي حرفة المنادمة على الشراب . ( 4 ) أي متغير متحول من الاستواء إلى العوج . ( 5 ) أي الخسران .