تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وأصحاب الآداب ، حتّى شاهدتك الآن ، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك ، وسكون لفظك ، وتناسب حركاتك ، وفرط حيائك وناضر ماء وجهك ، وتعادل كلّك وبعضك ، وإنك لمن عجائب خلق اللّه وطرف عباده ، واللّه ما يصدّق واحد أنّك صاحب ديوانك ، وأنّ ذلك الديوان لك ، مع هذا التنافي الّذي بين شعرك وبينك في جدّك . فقال أبو عبد اللّه : أيها الأستاذ ، وكان عجبي منك دون عجبك مني ، لو تقارعنا على هذا لفلجت عليك بالتعجب منك . قال : لأني قلت إذا ورد الأستاذ فسألقى منه خلقا جافيا وفظّا غليظا وصاحب رواسير وآكل كوامخ وجبليّا ديلميّا متكائبا متعاظما ، حتى رأيتك الآن وأنت ألطف من الهواء ، وأرقّ من الماء ، وأغزل من جميل بن معمر ، وأعذب من الحياة ، وأرزن من الطّود ، وأغزر من البحر ، وأبهى من القمر ، وأندى من الغيث ، وأشجع من اللّيث ، وأنطق من سحبان ، وأندى من الغمام ، وأنفذ من السّهام ، وأكبر من جميع الأنام . فقال أبو الفتح وتبسّم : هذا أيضا من ودائع فضلك « 1 » ، وباعث تفضّلك . ووصله وصرفه . قال : لم يكن هذا الحديث عندي . وأما بشر بن هارون فليس من هذه الطبقة في شيء ، لكنه يقرص فيحزّ ويشتمّ فيهزّ ، ويجرح فيجهز ، والمدهوّون « 2 » منه كثير ، « وأصحابنا يستحسنون قول ابن الحجاج في الوزير حين يقول :
للّه درّ الحسين من قمر * ردّت إليه وزارة الشمس
فقال : إن قبلت هذا منهم خفت أن يقال : مادح نفسه يقرئك السلام ، وما أصنع بهذا البيت وهو مضموم إلى كلّ بيت سخيف في القصيدة » . ثم قال : وجب أن نصف قبل هذا عصابة العلماء ، فلم تركنا ذكرهم ونحن لا نخلو في حديثهم من غرّة لائحة ، وفائدة نافعة ، وصواب زائد في العقل وفضيلة على الأدب ، وحلم يزدان به في وقت الحاجة ، وحكمة يستعان بها في داهمة ، ورأي يكون مقيلا للتمييز عند تهجيرنا به . قلت : أما أبو عبد اللّه الجعل فقد شاهدته . قال : صدقت ، ولكن لم أقف على مذهبه ودخلته وسيرته في اعتقاده . قلت : كان الرجل ملتهب الخاطر ، واسع أطراف الكلام ، مع غثاثة اللّفظ ، وكان يرجع إلى قوّة عجيبة في التدريس ، وطول نفس في الإملاء ، مع ضيق صدر عند لقاء
هامش
( 1 ) أي من فضلك الذي تودعه لدينا فتحفظه لك ونؤديه إليك . ( 2 ) أي المبتلون بالدواهي منه .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 106 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي