تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
المحصورة . وكذا من الخزائن قليل من كثير فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أن كثيرا من الأشياء لا يخزن ، وأن ما يختزن منها إنما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة أوجب تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشيء والخزائن . ثم إذا سمعنا اللّه تعالى ينزل على رسوله قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
« 1 » ، فإن لم ترق أذهاننا عن مستواها الساذج الأول فسرنا كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس مع أنه لا دليل لنا على ذلك البتة فهو تفسير بما نراه من غير علم . وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلا ، وأذعنا بأنه تعالى لا يخزن المال وخاصة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
« 2 » ، حكمنا بأن المراد بالشيء الرزق من الخبز والماء وأن المراد بنزوله نزول المطر لأنا لا نشعر بشيء ينزل من السماء غير المطر فاختزان كل شيء عند اللّه ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ونزوله لتهيئة الموارد الغذائية . وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم إذ لا مستند له إلّا أنّا لا نعلم شيئا ينزل من السماء غير المطر ، والذي بأيدينا هاهنا عدم العلم دون العلم بالعدم . وإن تعالينا عن هذ المستوى أيضا واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم وأبقينا الكلام على إطلاقه التام ، وحكمنا أن قوله
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
يبين أمر الخلقة غير أنا لما كنا لا نشك في أن ما نجده من الأشياء المتجددة بالخلقة كالإنسان والحيوان والنبات وغيرها لا تنزل من السماء ، وإنما تحدث حدوثا في الأرض حكمنا بأن قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
، كناية عن مطاوعة الأشياء في وجودها لإرادة اللّه تعالى ، وأن الإرادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الأشياء المخلوقة وإنما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما يتعلق به مشيئته تعالى ، وهذا أيضا كما ترى تفسير
هامش
( 1 ) الحجر - 21 . ( 2 ) الجاثية - 5 .