تفسير كلامه تعالى الطريق المسلوك في تفسير كلام غيره من المخلوقين .
وليس اختلاف كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الألفاظ وسرد الجمل وإعمال الصناعات اللفظية فإنما هو كلام عربي روعي فيه جميع ما يراعى في كلام عربي وقد قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 1 » ، وقال تعالى :
وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 2 » ، وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 3 » .
وإنما الاختلاف من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام .
توضيح ذلك : إنا من جهة تعلق وجودنا بالطبيعة الجسمانية وقطوننا المعجل في الدنيا المادية ألفنا من كل معنى مصداقه المادي ، واعتدنا بالأجسام والجسمانيات فإذا سمعنا كلام واحد من الناس الذين هم أمثالنا يحكي عن حال أمر من الأمور وفهمنا منه معناه حملناه على ما هو المعهود عندنا من المصداق والنظام الحاكم فيه لعلمنا بأنه لا يعني إلّا ذلك لكونه مثلنا لا يشعر إلّا بذلك ، وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم فربما خصص به العام أو عمم به الخاص أو تصرف في المفهوم بأي تصرف آخر وهو الذي نسميه بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية .
مثال ذلك أنا إذا سمعنا عزيزا من أعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول : وإن من شيء إلّا عندنا خزائنه ، وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق : أن له أبنية محصورة حصينة تسع شيئا كثيرا من المظروفات فإن الخزانة هكذا تتخذ إذا اتخذت ، وأن له فيها مقدارا وافرا من الذهب والفضة والورق والأثاث والزينة والسلاح ، فإن هذه الأمور هي التي يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا ، وأما الأرض والسماء والبر والبحر والكواكب والإنسان فهي وإن كانت أشياء لكنها لا تخزن ولا تتراكم ، ولذلك نحكم بأن المراد من الشيء بعض من أفراده غير
هامش
( 1 ) إبراهيم - 4 .
( 2 ) النحل - 103 .
( 3 ) الزخرف - 3 .