يتفهم به كلام غيره وإن كان هذا النحو من التفهم ربما صادف الواقع ، والدليل على ذلك قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الرواية الأخرى : من تكلم في القرآن برأيه فأصابه فقد أخطأ ، فإن الحكم بالخطإ مع فرض الإصابة ليس إلّا لكون الخطأ في الطريق وكذا قوله عليه السّلام في حديث العياشي : إن أصاب لم يؤجر .
ويؤيده ما كان عليه الأمر في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإن القرآن لم يكن مؤلفا بعد ولم يكن منه إلّا سور أو آيات متفرقة في أيدي الناس فكان في تفسير كل قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد .
والمحصل : أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره ، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه ، وهذا الغير لا محالة إما هو الكتاب أو السنّة ، وكونه هو السنّة ينافي القرآن ونفس السنّة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الأخبار عليه ، فلا يبقى للرجوع إليه والاستمداد منه في تفسير القرآن إلّا نفس القرآن .
ومن هنا يظهر حال ما فسروا به حديث التفسير بالرأي فقد تشتتوا في معناه على أقوال :
أحدها : أن المراد به التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير وهي خمسة عشر علما على ما أنهاه السيوطي في الإتقان : اللغة ، والنحو ، والتصريف والاشتقاق ، والمعاني ، والبيان ، والبديع ، والقراءة ، وأصول الدين ، وأصول الفقه ، وأسباب النزول وكذا القصص ، والناسخ والمنسوخ ، والفقه ، والأحاديث المبينة لتفسير المجملات والمبهمات ، وعلم الموهبة ، ويعني بالأخير ما أشار إليه الحديث النبوي : من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم .
الثاني : أن المراد به تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلّا اللّه .
الثالث : التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تبعا فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفا .
الرابع : التفسير بأن مراد اللّه تعالى كذا على القطع من غير دليل .
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 124
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٢٤