تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
أمره فكل علمه إلى اللّه ولا تقدر عظمة اللّه واعلم يا عبد اللّه : أن الراسخين في العلم الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فقالوا آمنا به كل من عند ربنا ، وقد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين . أقول : قوله عليه السّلام : واعلم يا عبد اللّه أن الراسخين في العلم . . . إلخ . ظاهر في أنه عليه السّلام أخذ الواو في قوله تعالى :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
، للاستئناف دون العطف كما استظهرناه من الآية ، ومقتضى ذلك أن ظهور الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله ، لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم به ، فلا ينافي وجود بيان آخر يدل عليه كما تقدم بيانه وهو ظاهر بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت كما سيأتي . وقوله عليه السّلام : الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب ، خبر أن والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة الراسخين في العلم بالاعتراف بالجهل فيما جهله فيكون منهم ، وهذا دليل على تفسيره عليه السّلام الراسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه ولم يتعد إلى ما جهله والمراد بالغيوب المحجوبة بالسدد : المعاني المرادة بالمتشابهات الخفية عن الأفهام العامة ولذا أردفه بقوله ثانيا : فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره ، ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله فافهم . وفي الكافي عن الصادق عليه السّلام : نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله . أقول : والرواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
معطوفا على المستثنى في قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
لكن هذا الظهور يرتفع بما مرّ من البيان وما تقدم من الرواية ، ولا يبعد كل البعد أن يكون المراد بالتأويل هو المعنى المراد بالمتشابه فإن هذا المعنى من التأويل المساوق لتفسير المتشابه كان شائعا في الصدر الأول بين الناس . وأما قوله عليه السّلام : نحن الراسخون في العلم ، وقد تقدم في رواية للعياشي عن الصادق عليه السّلام قوله : والراسخون في العلم ، هم آل محمد ،
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 115 | السيد محمدحسين الطباطبائي