قلت : والذي يتحرّر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسير سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به ، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ، كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك ، وكذلك ذكره في قوله :
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
« 1 » ، سبب اتخاذه خليلا فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى .
ثانيا : ما تقدم أنه من قبيل المسند من الصحابي إذا وقع من تابعي فهو مرفوع أيضا لكنه مرسل ، فقد يقبل إذا صح المسند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر ونحو ذلك .
كثيرا ما يذكر المفسّرون لنزول الآية أسبابا متعدّدة ، وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة ، فإن عبر أحدهم بقوله نزلت في كذا والآخر نزلت في كذا وذكر أمرا آخر فقد تقدم أن هذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول ، فلا منافاة بين قولهما إذا كان اللفظ يتناولهما . . . وإن عبّر واحد بقوله نزلت في كذا وصرح الآخر بذكر سبب خلافه فهو المعتمد ، وذاك استنباط مثاله : ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ، قال :
أنزلت :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
« 2 » ، في إتيان النساء في أدبارهن .
وتقدم عن جابر التصريح بذكر سبب خلافه ، فالمعتمد من حديث جابر لأنه نقل ، وقول ابن عمر استنباط منه ، وقد وهمه فيه ابن عباس وذكر مثل حديث جابر كما أخرجه أبو داود والحاكم « 3 » .
وإن ذكر واحد سببا وآخر سببا غيره ، فإن كان إسناد أحدهما صحيحا دون الآخر فالصحيح المعتمد .
مثاله : ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب : « اشتكى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ما أرى شيطانك إلّا قد
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية ( 125 ) .
( 2 ) سورة البقرة : الآية ( 223 ) .
( 3 ) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة .