ومن أمثلته أيضا : ما أخرجه ابن مردويه ، وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال : خرج أمية بن خلف وأبو جهل بن هشام ورجال من قريش فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد تعال نتمسّح بآلهتنا وندخل معك في دينك وكان يحبّ إسلام قومه فرقّ لهم . فأنزل اللّه :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا * إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً * وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا
« 1 » .
وهذا يقتضي نزولها بمكة وإسناده حسن ، وله شاهد عند أبي الشيخ عن سعيد بن جبير يرتقى به إلى درجة الصحيح فهو المعتمد .
وإن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجّح أحدهما بكون راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات .
مثاله ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال : كنت أمشي مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمرّ بنفر من اليهود ، فقال بعضهم : لو سألتموه ؟ فقالوا : حدثنا عن الروح ، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الوحي ، ثم قال :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 2 » .
وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود :
أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل ، فقالوا : اسألوه عن الرّوح ، فسألوه ، فأنزل اللّه :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
الآية ، فهذا يقتضي أنها نزلت بمكة ، والأول خلافه وقد رجّح بأن ما رواه البخاري أصحّ من غيره وبأن ابن مسعود كان حاضر القصّة « 3 » .
ما حمل على تعدّد النزول وتكرّره .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآيات ( 73 ، 74 ، 75 ، 76 ) .
( 2 ) سورة الإسراء : الآية ( 85 ) .
( 3 ) نفس المصدر السابق ص 44 وما بعدها .