تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اضواء البيان في تاريخ القرآن — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
« 1 » ، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لمّا قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فسألوهم من أهدى سبيلا محمد وأصحابه أم نحن ؟ فقالوا : أنتم ، مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم المنطبق عليه وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموه فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يؤدوها حيث قالوا للكفار : - أنتم أهدى سبيلا - حسدا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقد تضمّنت هذه الآية مع هذا القول المتوعد عليها المفيد للأمر بما يقابله المشتمل على أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بإفادة أنه الموصوف في كتابهم ، وذلك مناسب لقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
« 2 » ، فهذا عام في كل أمانة ، وذاك خاصّ بأمانة هي صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بالطريق السابق ، والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول ، والمناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص والعام . ولذا قال ابن العربي في تفسيره وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلا ، فكان ذلك خيانة منهم ، فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات ، ا . ه . وقال بعضهم : ولا يردّ تأخير نزول آية الأمانات عن التي قبلها بنحو ست سنين ، لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة ، لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها ، والآيات كانت تنزل على أسبابها ، ويأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بوضعها في المواضع التي علم من اللّه أنها مواضعها . وقال الواحدي : لا يحلّ القول في أسباب نزول الكتاب إلّا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها . وقد قال محمد بن سيرين : سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال : اتق اللّه وقل سدادا ، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل اللّه من القرآن .
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية ( 51 ) . ( 2 ) سورة النساء : الآية ( 58 ) .