مدلول اللفظ لاقتضى أن المصلّي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع ، فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها . ذلك أنها نزلت لما صلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم على راحلته ، وهو مستقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به ، فعلم أن هذا هو المراد .
ومن ذلك قوله تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
الآية « 1 » ، فإن ظاهر لفظها لا يقتضي فرضية السّعي ، وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته تمسّكا بذلك ، وقد ردّت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه كان من عمل الجاهلية فنزلت .
الخامسة : دفع توهم الحصر : قال الشافعي ما معناه في قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
الآية « 2 » ، أن الكفار لما حرّموا ما أحلّ اللّه وأحلّوا ما حرّم اللّه وكانوا على المضادة والمحادة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال : لا حلال إلا حرّمتموه ولا حرام إلّا ما أحللتموه نازلة منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلّا حلاوة ، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة ، فكأنه تعالى قال : لا حرام إلّا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، ولم يقصد حلّ ما وراءه ، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحلّ .
قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرّمات فيما ذكرته الآية .
السادسة : معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها ، ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر : إنه الذي أنزل فيه :
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
« 3 » ، حتى ردت عليه عائشة وبيّنت له سبب نزولها .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية ( 158 ) .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية ( 145 ) .
( 3 ) سورة الأحقاف : الآية ( 17 ) .