والحوت البحريّ - قولا عامّا - خير من الحوت النّهري ، وما قلّت سهوكة الحوت خفّت مضرّته وكان الكيموس المتولّد عنه أحمد ، فإنّ حاسّة الشم إنما جعلها الخالق - سبحانه - ليعرف بها الحيوان ما ينفعه ممّا يضرّه .
فما كان كريه الرائحة فهو مخالف للذي رائحته طيّبة ، وقد كنت عزمت على ألا أعلّل شيئا ولكن أقع في ذلك اضطرارا .
وأفضل ما يستعمل من الحوت أن يسلق بالماء الحارّ ثم يوضع في قدر كبيرة أو في ملّة من فخار أو من حنتم فيصبّ عليه الزيت صافيا فإذا نضج حطّ عن النار وأضيف إليه مغرفة معتدلة متّخذة بالخل وبالزنجبيل ، هذا ليكون أحسن غذاء ، وأما بحسب طيب الطّعم فإن جعل في المرق فتات مدقوق فذلك أيضا لا يخلّ به في الجودة ، وأما إن وضع فيه الكزبرة أو البيض فإن ذلك يحسّن طعمه ، وكذلك يحسّنه الزعفران طعما ومنظرا ولكنه يفسد غذاءه ويحدث فيه أشياء رديئة منها أنه يملأ الدماغ أبخرة رديئة ويسدّ العروق ويحدث أمراضا .
أما إن استعمل طبيخا في الزيت - كما قلت - بمرقة ساذجة أو من غير أن تضاف إليه مرقة سوى الزيت الكثير الذي يطبخ فيه فإني لا أقول حينئذ إنه مضرّ البتّة وخاصّة إذا كان من أنواع الحيتان المحمودة .
وكما أنني قلت في اليمام وفي العصافير إنّها يجب أن تطبخ بعد ذبحها بساعات كذلك أقول في جميع أنواع الحوت إنه يجب المبادرة إلى طبخها إثر موتها من غير توان .
وأكثر ما يستعمل الناس الحوت وقد قلي في المقلى بالزيت ، وهذا غير محمود فإنه يكتسب كبريتية من حرّ النار بالقلي ، وكل شيء يقلى فإنّه مضرّ خاصّة بمن يكون حارّ المزاج . وربّما وضع الناس فيه بعد ذلك الخلّ بالثوم وهذا أيضا من الخطأ العظيم ، فإن الثوم يصعّد أبخرة إلى الرأس فتملأ الرأس رطوبة غير محمودة ، وللخلّ خاصّة في الإضرار بالدماغ فيزيدون بفعلهم هذا في الحوت مضرّة وهم يحسبون أنهم يقاومون مضرّته ، لأنهم يقابلون - بزعمهم - برودة جوهر الحوت بحرارة الثوم ، ويقابلون غلظ جوهر الحوت بلطافة جوهر الثوم وبلطافة جوهر الخلّ ، وبئس ما يصنعون !
ويتّخذ الناس الحوت أيضا بالبيض ، وهذا أيضا متناه في المضرّة وخاصّة ببياض البيض ، وربّما اتّخذوه بالجبن الطريّ فيزيدونه مضرّة على مضرّة .
والحوت يتّخذ أيضا شواء ، فإذا اتّخذ في التنّور ونضج فإنه صالح ، وكذلك إن
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي — صفحة 99
مساهمون: محمد العربي الخطابي
ص٩٩