على كل رطوبة تكون في أي عضو كانت قد اندفعت إليه على طريق تنقية غيره من الأعضاء عنها أو بوجه آخر ، وهذه الرطوبة الأصلية لا جرم أنها في جوهر الكبد أنضج منها في سائر الأعضاء .
وأما الرطوبة الأخرى التي قلت إنها تكون في عضو لتنقية عضو أقوى منه عنها فإن هذه الرطوبة لا تتصوّر انها تكون في الكبد والحيوان باق على صحّته بحال ، فإن الكبد ينبوع الحرارة الطبيعية بحكمة اللّه - عزّ وجلّ - وبقدرته الباهرة ، فالمرض كان يبادر لجميع ذلك الحيوان - لشرف الكبد - ويسارع إليه ، فإذا تبيّن أن الرطوبة التي في جوهر الكبد أنضج فلا يشكّ أحد أن كبد الحوت أصلح من جرمه .
وأما شحم الحوت فكلّه غليظ الجوهر إذا قيس من حيث إنه شحم ، وكذلك دمه من حيث إنه دم ، وسأذكر ذلك ذكرا بيّنا عندما أذكر الشحوم وما قيل فيها وأذكر الدماء وما زعمه الأطبّاء فيها .
وطيّار الحوت أقلّ غلظا من سائر أنواعه ولذلك أمكنه الطيران ، كما أن الحيوان البري ما يطير منه ألطف جوهرا ممّا لا يطير .
فإن عارضني معارض بأني وصفت الكركي - وهو طائر - بغلظ الجوهر ، ووصفت الغزال - وهو ماش على أربع - بلطافة الجوهر ، فالجواب أنه إذا قست طيران الكركي ، وله آلة الطيران ، مع الغزال ، ولا آلة للطيران معه ويثب القامة وأكثر ويسابق الطير أو يكاد ، لم يخف عليك لطافة جوهره ولا خفي عليك غلظ جوهر الكركي فإنه لا يكاد ينتقل إلا بعد جهد كبير .
وإن اعترضني بالأيّل وما وصفته به من غلظ الجوهر - وليس في الوحوش بعد الغزال أجرى منه حتى إنه يناهض الغزال في الجري - قلت له : إذا نظرت إلى عظم جرمه وخلقته رأيت أنه يحقّ أن يسهل على قوته حمل بدنه ، ولم أقل لك الجري يكون عن لطافة الجوهر ، وإنّما قلت الطيران وجري الغزال خاصّة إنّما هو طيران جناح فإنّما هو واثب أبدا في جريه مستقلّ كأنه يطير ، وأما الجري ، فإنّما هو بسرعة حركة انتقاله ، وهذا إنما هو تابع للحرارة ، ولذلك ترى جميع الحيوان الحارّ سريع الحركة ، ولأني اجتنبت الاحتجاج جهدي ويحدوني إليه نسق القول مضطرا فأنا منصرف إلى قولي في الحيتان .
وقد قلت إن الطيّار منه ألطف جوهرا ، وهذا ممّا لا شك فيه عندي ، وكذلك
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي — صفحة 101
مساهمون: محمد العربي الخطابي
ص١٠١