غريزيا به يكون ما يفعل وما ينفعل في الأبدان بقدرة اللّه تعالى . فإن كانت في الحيوان رطوبة كثيرة لزجة - وخاصّة في خارجه كما في الحوت - امتنع هذا الحارّ الغريزيّ من الخروج والتحلّل فتطول حياته في البرّ ولا يهلك إلا بعسر كما يكون حال اللّبس وحال السلابيح وحال ما هو من الحيتان البحرية الكثيرة اللزوجة ، وربّما طالت حياة الحيوان أيضا وقد قتل بوجه آخر كما يعرض في الحيّات وفي الجراد ، وإنّما ذلك لليبس الذي خلقت به فيعرض فيها من بعد تحلّل الحارّ الغريزيّ منها ما يعرض في حجارة الجيارين ، فإن حجارة الجير لما أفرط يبسها بالنّار وتكاثف جرمها وصلبت بقيت على ما أكسبتها النّار من حرارة في جوهرها فلا تخرج ولا نحن أيضا إن لمسناها نحسّ ذلك ، فإن زال ذلك اليبس بأقلّ نداوة تحلّل ذلك عنها وخرجت الحرارة التي اكتسبتها عنها ، وبعد مدة تبقى الحجارة باردة في طبعها كما فطرها اللّه سبحانه ، وحينئذ ربّما استعملناها في الأكحال النافعة للعين .
ولئن خرجت عمّا كنت شرطته من ألّا أعلّل شيئا أرجع إلى قصدي الأول وأعدل عما جنح بي إليه نسق القول فأقول :
فما كان من الحيتان قليل اللزوجة فهو أجود وما كان منها له فلوس فهو أحمد ، وما كان له دم أحمر خير ممّا يكون له دم أصفر .
وصغير أنواع الحوت خير من كبيره ، ولا يفهم من قولي هذا أن صغير الحوت من نوع خير من المعتدل قدّه في ذلك النوع فإنّي لا أقول ذلك بل أقول إن الشابّ في الحوت خير من صغير ذلك الحوت ومن مسنّه .
وأنا أحمد ما حمده الأطبّاء قبلي أنّ الحوت الذي نوعه صغير خير من الحوت الذي نوعه كبير ، فإن الحوت المعروف بالرضراض خير من سائر الحيتان ، وأعرف في الأدوية حوتا يسمّى بالسمك رأيته وخبرته وخبره زهر بن عبد الملك ، أبي رحمه اللّه « 12 » ، وعسى أنه الحوت الذي حمده الأطبّاء ، وسمّوه رضراضا .
وما يكون من الحوت في المياه الجارية خير مما يكون في المياه القائمة القليلة الجري .
وأما ما يكون في المياه القائمة الراكدة فشرّ كلّه كاد يكون قتّالا .
هامش
( 12 ) هو الطبيب أبو العلاء زهر بن عبد الملك ابن زهر الإيادي ، والد المؤلف ، توفي عام 525 ه / 1130 م .
التكملة 1 : 234 ؛ عيون الأنباء 3 : 104 .