تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧

ذكر الحيتان :

ذكر جالينوس أن الحوت « 11 » الكثير الأرجل مما يعين على الجماع بقوة . وهو الربيثا ولا شك أنه الذي يسمّى عندنا بالقمرون ، مزاجه حارّ رطب باعتدال ، وهو لطيف الجوهر بعيد عن اللّزوجة ، فهو عندي محمود الغذاء ، فإن اعترض عليّ معترض بما قيل في أنواع الحوت أن من الشروط في جيّدها أن يكون كثير الدم والربيثا نراها إما عديمة الدم وإما أن يكون لها دم يسير يخفى ، فالجواب : هذا من شروط المحمود من الحوت ، ولكن الربيثا من صغر الجرم في حدّ يخفي دمها لأنها لطيفة الجوهر ودمها ألطف وألطف فبلطافته لا يظهر فيها وإلا فانظر من سائر أنواع الحوت ما يكون في جرم الربيثا ودمه ظاهر . وإنّما حمد الأطبّاء من الحوت أن يكون كثير الدّم لأنّ أعظم الأخلاط موافقة لطبيعة الإنسان إنما هو الدم ، ولما كان الحوت أكثر أخلاطه وأمشاجه إنّما هو جوهر بلغميّ - على ما نراه عيانا - كان أحمد ما يكون الدّم له فيه وفور ، إذ ليس نجد من الحوت إلا ما الرطوبة البلغمية فيه كثيرة لا تخفى عن الحس إلا الربيثا ليس فيها لزوجة وهي بعيدة عن ذلك للطافة جوهرها . وأما سائر أنواع الحوت فأفضلها ما كان أقلّها لزوجة وكان له قشور كالدّراهم تعلوه وكان دمه كثيرا ، وإذا صيد لم يلبث في البرّ حيّا إلا قليلا ويسرع هلاكه عندما يصاد فإن حياة الحوت مدة طويلة وقد خرج عن الماء أدلّ شيء على سوء مزاجه ولزوجة الأمشاج المتولدة منه ، فإنه ليس يحيى في البرّ مدة إلا لأن عليه حجابا من لزوجة تمنع عنه وصول حرارة الهواء ويبسه إلى أعضائه الرطبة بالرطوبة الطبيعية ، وإنّما يهلك الحيوان إذا فسد مزاج أعضائه الرئيسية وخاصّة القلب ، فاللّزوجة تمنع وصول حرّ الهواء ويبسه إلى باطنه فلا يفسد مزاجه ، فلهذه العلة يكون بعض أنواع الحوت عندما يخرج إلى الهواء يموت بسرعة وبعضه يقيم حيّا مدة . وهذه الرطوبة التي تمنع وصول الهواء إلى أعضائه وتدافعها وتحجبها عنه تعين على حياته في البرّ مدة بوجه آخر هو أن كلّ حيوان - أيّ حيوان كان بريا أو مائيا - قد جعل اللّه سبحانه في أبدانها شيئا تسمّيه الأطبّاء حارّا
هامش
( 11 ) يطلق الحوت في بلاد الغرب الإسلامي على السمك عامّة صغيره وكبيره .