وهو صالح للصدر وللرئة ولجميع آلات الصوت ، ويطلق الطبيعة إطلاقا حسنا ويوافق أكثر الناس ، إلا أنّه للطافة جوهره ورقّته ينقلب في المعدة سريعا للمزاج الغالب عليها ولا سيّما فيمن هو صفراويّ المزاج فإنّه يستحيل في معدته للصفراء سريعا ، ولذلك تتصاعد منه أبخرة للدماغ تضرّ بالبصر وتولّد الدوار ، وصاحب هذا المزاج يجب عليه اجتنابه فإنه يكثر المرّة الصفراء في بدنه . . . وكذلك يضرّ من تعتريه الرياح الغليظة في جوفه ومن بجسمه أثر برص أو بهق أبيض فإنه مشاكل للمادة في اللّون .
وأشدّ المضارّ المتولّدة في البدن عن اللبن تجبّنه ، ويدفع ضرر ذلك شربه بالعسل أو بحبوب ملح ، فإن عرض تجبّنه من قبل أنه لم يمزج معه ملح أو عسل وظهرت دلائل تجبّنه - وهي صفرة اللون وصغر النبض وغشي ووجع في المعدة - فإن كان مع هذا قيء فذلك أحسن ، وعلاج ذلك أن يؤخذ من الحلتيت درهم ونصف ويحلّ في أوقية من شراب سكنجبين ساذج قوي الحمضة ويمزج بمثله ماء حارّ ويشرب .
والإدمان على اللّبن وسائر ما يتّخذ منه يعقب استرخاء اللثّة وتعفّنها وتغيّر الأسنان ، ويدفع ضرر ذلك أن يتمضمض إثر شرب اللّبن بخلّ أو بعسل أو بملح أو بطبيخ الآس .
أما اللّبن المعمول بالأرز أو بالإطرية أو بالخبز الفطير أو بدقيق الدّرمك فإنه يعقل الطبيعة لأن المائية التي تطلق تفنى بالطّبخ ، وهو بذلك عسير الهضم مولّد للسّدد في الكبد والطّحال وفي مجاري البول .
واللّبن من أغذية المرتاضين ومن يتعب في الأعمال وأصحاب السّعال وقروح الصّدر ، وخاصيّة اللّبن - ولا سيّما لبن المعز - أنه يبرّد قروح الرئة وهو من أجلّ أدويتها ، ولذلك يسقى للمسلولين وأصحاب حمّيات الدّقّ .
وإذا أخذ الحليب وأطفئ فيه حديد محمي وشرب رفع الإسهال المتواتر .
اللّبأ :
وأما اللّبأ - وهو ما يحلب من الضّرع يوم الولادة وبعدها بأيام - فهو لبن قد تغيّر بطول المكث في الثديين حتى تجبّن فيهما ، وهو يخصّب البدن ويوافق المعدة الحارّة والكبد الملتهبة إلا أنه بطيء الهضم عسير الخروج ، وكثيرا ما يتجبّن في المعدة ، وإصلاحه أن يؤخذ بإثره أوقية من السكنجبين البزوري مع أوقية من الماء الحارّ .