تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وأما السبب في تقديم البرّ على سائر الحبوب ، وسائر الحبوب على اللّحم وهو أفضل توليدا للدم منها وأكثر تقوية للبدن ، فلأنّ الناس قد ألفوها حتى صار لا بدّ لهم منها في الاغتذاء ، وربّما مرّ عليهم زمن طويل لا يأكلون اللحم لقلّة اعتيادهم له لا لقلّة غذائه ولكنّهم لا يستطيعون الاستغناء عن الحبوب التي يستعمل منها الخبز ، وقد نجد قوما آخرين يغتذون باللحم ويقيمون به حياتهم كالأتراك وسكّان البراري الذين لا يقبلون على نبات الزرع ، وإنما يغتذون باللحم واللّبن خاصّة ، وهؤلاء ليس كلامنا عليهم وإنما كلامنا على سكّان المدن الذين لا بدّ لهم في غذائهم من الحبوب .

لحم البقر :

بارد يابس ، بطيء الانهضام ، عسير الخروج ، وهو أكثر غذاء للبدن من سائر اللّحوم ، إلا أنه يتولّد عنه دم غليظ سوداوي يسدّد الطّحال ويولّد ظلمة البصر ، وتهيج عنه الأمراض السوداوية كالمالينخوليا والسّرطان وغير ذلك ، وهو من أغذية أصحاب الرياضة والتّعب كالحدّادين والفلّاحين فإن هؤلاء ينتفعون به أكثر من انتفاعهم من سائر اللّحوم . . . إلا أنه يجب أن لا يأكلوه مع البقول السوداوية كالكرنب والقنّبيط ، وأن يأخذوه بالخلّ والمري . وأما أصحاب الأمزجة المعتدلة من الذين لا يستعملون الرياضة ولا يتعبون فإنه من أضرّ الأشياء بهم ، يعقبهم عللا مختلفة ، وقد يحدث عنه لأكثر النّاس ، ولا سيّما المسنّين ، الخدر والسكتة والاستسقاء ، فإن استعملوه فليأخذوا منه الدّسم وليصلحوه بالتوابل الحارّة كالفلفل والزنجبيل ، وبالبقول الحارّة أيضا كالثوم والسّلجم والجزر والبصل ، فإن طبخوه قبل هذا بالخلّ ثمّ طيّبوه بأحد البقول المذكورة كان أجود ، هذا مع الامتناع من شرب الماء بإثره ومن النّوم ، ومن تناول الفواكه الباردة الرطبة ، وتستعمل الرياضة ، ولا بأس بعدها من النوم قليلا لأنّ النوم القليل يعين على الهضم . وقد يستحسن لمن يأكل لحم البقر أن يأخذ عليه أحد الجوارشات أو المربّبات الحارة مثل جوارش الكمّون أو مربّب الزنجبيل . ولحم الفتيّ من البقر كالعجول أجود من لحم سمانها وأسرع هضما وأكثر تخصيبا للبدن وألطف غذاء وأحسن توليدا للدم وأوفق لأكثر النّاس حتى إن كثيرا من الأطبّاء قدّموا لحم العجول الذكور على لحم الكباش الفتية ، وهو للمحرورين بالخلّ والخسّ