وأما لحمها فإنه يكون غير مستلذّ ويكون بطيء الهضم ، والصواب في ذلك أن يطبخ الطابخ على عادته اللحم بالعسل ويطبخ قدرا آخر تفايا بيضاء فإذا نضج ذلك أزال اللحم من قدر العسل جملة واحدة ووضع مكان ذلك اللحم لحم التفايا وتركه قليلا قدر ما يداخل اللحم طعم المرق ثم ينزله فإنّه يأتي لذيذ الطّعم ولا يكون بطيء الهضم إن شاء اللّه ، وأما اللحم الذي قد أزيل عن قدر طبخه في العسل فإن فائدة قد حصلت في المرق وهو إن أحبّ أحد أكله أكله ، وهذا الطعام حارّ وكأنه معتدل في الرطوبة واليبس لما يداخله من ترطيب الدّهن واللحم والشحم واللوز ، فإن الطبّاخين من عوائدهم أن يضعوا فيما يطبخونه معسّلا ولوزا ، وهذا الطعام يكون منه إنضاج وجلاء ويغذو كثيرا ويصلح استعماله في أيام الشتاء ، وهو من أدوية المفلوجين والشيوخ والمبلغمين . وقد يطبخ مثل هذا بماء الزبيب وهو خير ممّا يطبخ بالعسل وأوفق .
وأما الصنعة في طبخه فما ذكرته فيما يطبخ بالعسل ، وكذلك قد يطبخ بالرّبّ ، والأمر فيها كلّها واحد .
القول في الفواكه :
[ العنب والتين ]
جالينوس يقول في التين والعنب إنّهما سيّدا الفاكهة .
والتين حارّ رطب يخلّ بالمعدة ويليّن البطن وفيه جلاء يسير بسبب ما فيه من الحلاوة ومن اللّبنية ، وأفضله أتمّه نضجا ، وأردأه الفجّ ، وأما جافّه فإنه أضعف ترطيبا من الرطب ، وهو حارّ أشدّ حرّا من الرطب بكثير ، وهو إما معتدل في اليبس والرطوبة يميل إلى اليبس قليلا وإما أن يكون يجفّف من غير أفراط ، وإخلاله بالمعدة أيسر وتليينه للبطن كذلك ، وهو أقلّ رياحا من الرطب بكثير ولكنه لا يخلو مع ذلك من الرياح عند انهضامه ، غير أن رياحه هي أيضا في البطن وما هنالك ، يغذو غذاء صالحا ويزيد في اللحم إذا أديم أكله ويسكّن القوة الغضبية التي في القلب ويكسر منها بخاصّة فيه ، ويكون منه عند انهضامه في الأعضاء فضلة يتكوّن منها فضل بإذن اللّه تعالى .
وأما العنب فإنّه حارّ حرارة فاترة ، رطب باعتدال يخصب البدن غير أنه تكون عنه رياح في الهضوم كلّها لا يكاد يخلو عند كلّ واحد منها من رياح رقيقة تكون منه فتحدث في البطن وفي العضل أوجاعا حادّة رديئة مؤلمة بإذن اللّه تعالى .