ذكر الحيوان الذي يجهد ويصاد :
هو ألذّ طعما ، ولست أقول إنه أجود كيموسا في البدن ، فإنه إذا تعب وألم وأجهد عرض في أعضائه نوع من التورّم ، وهو الإعياء القروحي ، وإنّما ذلك لرطوبات تنصبّ إلى الأعضاء فتلحج في الفروج « 15 » والمسامّ التي فيها ، وهذه منها ما ينفصل عن جوهر الأعضاء فيكون في حال شبيهة بالصديد ، ومنها ما يكون من الفضول التي تصلح بعد الاغتذاء بها فتلحج في الأعضاء ، وفي خلال ذلك يعاجل الحيوان الذي يصاد القتل فتبقى تلك الرطوبة في الأعضاء لابثة فيكون الاغتذاء بأعضائه غير محمود عندي ، فأما طعمه فألذّ مما لم يجهد ولم يتعب قبل ذبحه .
القول في اختلاف لحوم الحيوانات بسبب اختلاف الفصول :
لحوم زمن الربيع أرطب وأقل تغذية وهي ألطف ، ولحوم الصّيف أجفّ وهي أقوى تغذية ، وأما لحوم الخريف فإنّها إذا أكلت العشب الرّطب أرطب وأبرد من لحوم الصيف ، وكذلك لحوم الشّتاء .
الحيوان الذي يرعى في الجبال والمواضع الشاهقة أفضل ممّا يرعى في السّباخ والآجام والوهاد ، والتي تشرب من العيون والأنهار الجارية خير ممّا تشرب من البرك والحياض الراكدة ، والتي ترعى الإكليل « 16 » والصعتر خير من الّتي ترعى البقول التي لا عطرية لها ولا قبض فيها ، وما يأكل الحبوب - الشعير وغيره - لحومها أغذي ممّا يأكل العشب وحده ، والتي تسرح خير من التي تكون مقصورة « 17 » . وأما التي تأكل النّخال فإنّها - وإن كانت في نهاية من السّمن - فإن الغذاء المتولّد عنها يذهب سريعا عن جسم الإنسان ، وكلّما كان ورودها الماء أبعد كان لحمها أخفّ وكانت ألذّ .
هامش
( 15 ) في ج : القروح ، والسياق يقتضي إثبات الفروج بمعنى الشقوق .
( 16 ) يقصد بالإكليل : العشبة التي تسمّى إكليل الجبل ، وهو أزير عند عامة أهل المغرب ، وسنذكرها في باب المفردات .
( 17 ) مقصورة : أي محبوسة في الحظائر والحرائس .