والذي دعا هؤلاء القوم إلى هذا التفكير هو أن اللّه سبحانه وتعالى هيأ لهم من الوسائل ما يمكنهم من تشخيص بعض الأمراض التي تصيب الجنين وهو لا يزال في بطن أمه . . ولو قدر لهؤلاء أن يطلعوا على الغيب لنادوا باجهاض كل جنين ، وإن سلم من العيوب ، لا تكتب له الحياة بعد ولادته .
وخطأ هذا التفكير أنه ما من عاقل يدعى أن العالم سيخلو يوما ما من المعوقين أو المتخلفين عقليا . . ويخطئ من ينساقون وراء هذا التفكير إذ أنهم يقيسون نوعية الحياة التي يجب أن يعيشها كل فرد في المجتمع بالمقياس الذي يرونه . . فهذا المشوه أو المعاق راض قانع بحياته مستمتع بها على قدر ما منحه اللّه كما يستمتع غيره . . وإذا خير أن يحيا تلك الحياة أو يموت لاختار الحياة ، كما أن درجات التخلف العقلي والتشوه متفاوتة ولا يعلم ذلك إلا بعد ولادة الجنين ونموه . . ثم أن هذا المشوه أو المتخلف عقليا قد يتغلب على عاهته وهناك أمثله لمعوقين فقدوا حواسهم وكانوا صالحين نافعين لمجتمعهم أكثر من أصحاء معافين .
وقد بدأ مثل هذا التفكير المنحط يظهر في أوروبا بعد أن انسلخت من الدين فالتدين قوامه الرحمة والرأفة ، ولأمر ما ربط القرآن الكريم بين الكفر بيوم الجزاء والإساءة لليتيم وبين منع الإحسان المتمثل في الزكاة والشرك باللّه . وعندما كانت أوروبا متدينة كانت الملاجىء ودور الرعاية تنشأ لتضم اليتامى والمعوقين والمتخلفين عقليا بدوافع الشفقة ترعاها الجمعيات الخيرية والكنائس وأديرة الرهبان . . أما الآن فإن وجود طفل معوق في الأسرة يقض مضجعها وينغص معيشتها ويحرمها الاستمتاع بالحياة وحرية الإنتقال والفسحة والسفر لذا يجب التخلص منه .
وإذا كان هذا شأن المجتمعات المادية فما بال المسلمين وقد علمهم دينهم الإحسان حتى إلى الحيوان وعلمهم أن الضعفاء ليسوا عبئا ماديا عليهم لأنهم يرزقون وينصرون بضعفائهم . . ولم تحسب امرأة مسلمة حساب حمل تعاني مشقته وينتهى بطفل مشوه وهي تدرك أن ثواب اللّه
الطب الإسلامي — صفحة 157
مساهمون: أحمد طه
ص١٥٧