احترام الميت اعتقادا منهم أن ممارسة جثة الموتى حكمها التحريم . وذهب بعضهم إلى احترام القبور وعدم إزالتها حتى للمصلحة العامة ذات الصبغة الاجتماعية .
وفي اعتقادهم أن القبر حبس على صاحبه لا يباع ولا يزال .
لم أر مبررا لهذا الاعتقاد الشعبي الذي لا يتماشى مع أصول الدين الإسلامي وناموس الحياة الاجتماعية والرقي البشري ، الشريعة مبنية على مصلحة العباد .
ومن الغريب أن هذه العقيدة التي تدعو إلى احترام الميت والقبور لم تزل راسخة في العقول إلى يومنا هذا . إن التلقيح بالدم الذي لم ينكر أحد مزاياه قد استوجب فتوى في العمل به سنة 1952 من طرف شيخ الإسلام عبد العزيز جعيط . أما التشريح فلم يزل موكولا إلى موافقة أولياء الميت . وأحيانا يمكث المريض بالمستشفى أياما وشهورا وتنفق عليه أموال ويتعب من أجله رجال من غير جدوى في اكتشاف مرضه ويودع في القبر هدية للحشرات والخنفوس من غير أن يعرف العلماء سبب مرضه - ولم تنتج الخسارة والأتعاب منفعة للأحياء وهي غير الغاية المطلوبة من التشريح .
هذا سبب من الأسباب التي لم يفلح من أجلها العرب في الطب إلا نسبيا ، وكذلك شأنهم في الجراحة .
وإن قدر لابن نفيس اكتشاف الدورة الدموية الصغرى « 1 » فذلك بفضل تشريح الموتى وإن لم يعلن عنه . وربما استفاد محمد الصقلي من تشريح المرضى بالسل ولم يعلن عنه أيضا خشية غضب الناس واستيائهم . وفي سنة 1904 شرح طبيب بمستشفى صفاقس ميتا لاكتشاف مرضه فحدث غضب أهالي البلد ، ولما تقدم وفد من المواطنين برئاسة محمد السنوسي إلى الوزير الأكبر العزيز بوعتور للحصول على رغبات شعبية أثاروا مشكلة التشريح فأجابهم الوزير على رغبتهم بالإلغاء « 2 » .
ولم يؤذن فيه اليوم إلا باستشارة أولياء الميت ورضاهم أما القانون الجنائي التونسي
هامش
( 1 ) ابن نفيس : رسالة في علم التشريح برقم 17930 وطنية .
( 2 ) النازلة التونسية ، تأليف محمد السنوسي ، تحقيق الصادق بسيس ، تونس 1976 .