فلا شك ولا ريب أن هؤلاء النفر من الأطباء قد باشروا بالمرستان الحفصي واكتسبوا بفضله الخبرة في المداواة والتأليف .
الظاهر أن مرستان العزافين الذي سيأتي ذكره « 1 » هو أيضا من منشآت الدولة الحفصية . تشير بذلك عبارة الوزير السراج في الحال السندسية مخطوط 10642 ، ج 1 ، ص 51 : عند ذكر مآثر حمودة باشا المرادي وإنشائه مرستان العزافين . جاء في هذه الوثيقة ما يلي : « وهو اليوم بيد أميرنا هذا كأنه كما وضع بل أجمل من حالته الأولى بحيث دام بقاؤه أمر بإحيائه وإصلاحه غاية وإحياء أوقافه . أحيا اللّه قلبه يوم تموت القلوب » وهو الأمر الذي أدخل الالتباس في ذهن المؤرخ برانشفيك ، اللهم إلا إذا كان مرستان العزافين من مؤسسات الترك قبل ولاية حمودة باشا فيكون من حسنات يوسف داي الذي أنشأ بتونس العاصمة جامعا ومدرسة للطلبة وحصونا وأسواقا وجسورا وأصلح الحنايا لجلب ماء زغوان .
بقيت لنا مسألتان :
الأولى : هل كان لهذا المرستان عمر طويل وأصل فيه الغرض الذي أسس من أجله ؟ .
يظهر فيما تقدم أن أبوابه فتحت لمعالجة الفقراء مجانا كما هو شأن المستشفيات في عصرنا هذا وفي كل العصور مدة تفوق مائة وأربعين سنة أي من إمارة أبي فارس عبد العزيز إلى السنوات الأخيرة للدولة الحفصية يوم تدهورت الأحوال وسادت الفوضى وانعدمت مداخيل الدولة .
المسألة الثانية : هل كان هذا المستشفى فريدا من نوعه أم أوجد غيره في تلك المدة أو قبلها ؟ .
من الممكن أن المستنصر باللّه الأول الذي ترأس سنة 647 ه أسس مرستانا ، نحن نعلم أن الحضارة التونسية بلغت في أيامه أوجا لم يسبق له مثيل في
هامش
( 1 ) راجع مجلّة « الفكر » عدد 1 ، سنة 19 ( أكتوبر 1973 ) :