4 - عملنا هذا :
لقد أردنا في عملنا الحالي التوسّع في دراسة قضية الاقتراض اللغوي والنظر إليها بطريقة أشمل وأدقّ ، فهي نظرة أشمل لأننا في عملنا السابق - حول المعرب الصوتي - قد اهتممنا بدراسة القضية في مظهر واحد لها هو المظهر الصوتي ، وحدّدنا تلك الدراسة زمانا ومكانا فاقتصرنا على بلاد المغرب والأندلس وانتهينا في الزمان بالقرن السابع الهجري ( الثالث عشر الميلادي ) مع ابن البيطار المتوفّى سنة 646 ه / 1248 م بينما شمل عملنا الحالي جوانب أخرى أعمّ من جوانب الاقتراض اللغوي وخاصة منزلته في المعجم العلمي العربي المختص ومواقف العلماء منه وأصوله اللغوية الأعجمية في المدونات العلمية العربية ، وشملت الدراسة المشرق والمغرب معا في القديم والحديث . ثم هي نظرة أدق لأننا في عملنا السابق كنا قد خصصنا بالدرس ميادين علمية ثلاثة هي علم النبات والطبّ والجغرافية بينما خصصنا في عملنا هذا ميدانا واحدا هو الطبّ والصيدلة « 215 » .
هامش
( 215 ) هما في نظر العلماء المسلمين القدامى ميدان واحد ، وليسا علمين منفصلين كما قد يتبادر إلى الذهن ، فالصيدلة عندهم فرع من الطب - وقد انتقد احمد الغافقي في مقدمة « الأدوية المفردة » ( ص ص 5 - 6 ) بعض الأطباء الاندلسيين الذين يذهبون إلى التفريق بين صناعة الصيدلة وصناعة الطب : « لكن أطباؤنا هؤلاء كلهم صيادلة فمن قال منهم انه ليس عليه معرفة الأدوية فهو منه جهل فاحش قبيح لأن أطباءنا هؤلاء كلهم يتولّون بأنفسهم عمل الأدوية المركبة وجميع أعمال الصيدلة ( . . . ) انما هم صيادلة ولا تكسّب لهم ولا معاش الا من الصيدلة وهم لا يعلمون ذلك . ومثلهم في ذلك كمثل رجل نجار ولم يكن له كسب الا من النجارة وهو يجهل انه نجار ويظن أن صناعته غير تلك . ومن جهل نفسه هذا الجهل فليس ينبغي ان يكلم أصلا » - ونريد التنبيه إلى اننا سنستعمل في بحثنا هذا مصطلح صيدلة باللام رغم ان أبا الريحان البيروني ( ت . 440 ه / 1048 م ) قد اعترض عليها فقال في مقدمة كتابه « الصيدنة » ( ص 1 ) : « الصيدنة اعرف من الصيدلة ، والصيدلاني أعرف من الصيدناني » ، ذاهبا - كما نرى - إلى أن الصيدنة بالنون أصح من الصيدلة باللام . وقد استهوى هذا الاصطلاح بعض الباحثين المعاصرين فتبناه ( أنظر خاصة بحث سامي حمارنة : « الطب في العصر الاسلامي الذهبي » في « عالم الفكر » الكويتية ، المجلد 10 ، 2 ( 1979 ) ، ص ص 295 - 324 ، حيث قال : « في هذه المقالة كلمة صيدنة ستستعمل بدل صيدلة لأنها أصح لغويا وأصلا ( . . . ) كما ذكر ذلك ( . . . ) البيروني » - ص 296 ، التعليق 3 ) . ونحن سنستعمل لفظة صيدلة باللام مكان صيدنة لأن البيروني يبدو مخطئا في مذهبه ( انظر الاعتراض عليه في بحث ميشيل خوري : « من ألفاظ البيروني في كتاب الصيدنة » : مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ، المجلد 50 ، 4 ( 1975 ) ، -