وقد تطوّر ذلك الموقف إلى المناداة بإقامة الصلاة باللغة الفارسية وترجمته إليها .
ولعل الغاية من وراء ذلك أن ينتهي بهم الأمر إلى عدم الاعتراف بالقرآن والاسلام بتاتا . ولا يخفى ما في هذا الموقف من خطر على الاسلام وعلى « العروبة » واللغة العربية في نظر فقيه مثل الإمام الشافعي . وذلك ما يفسّر في رأينا موقف الشافعي الدفاعيّ عن اللغة العربية وعن القرآن بنفيه ظاهرة الاقتراض اللغويّ في القرآن ، وذلك ما يفسّر أيضا موقف أحمد بن فارس الذي أثار قضية ترجمة القرآن والصلاة باللغة الفارسية .
فالقرآن في نظره « لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية ، وترجمت التوراة والزّبور وسائر كتب اللّه - عزّ وجلّ - بالعربية ، لأنّ العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب » « 187 » . ولذلك أيضا فإنه « لا وجه لقول من يجيز قراءة القرآن في صلاته بالفارسية ، لأن الفارسيّة ترجمة غير معجزة ، وانما أمر اللّه - جلّ ثناؤه - بقراءة القرآن العربي المعجز » « 188 » .
على أن الموقف الدفاعيّ الذي نجده عند أبي عبيدة يبدو غريبا من رجل قد عرف بشعوبيّته ضد العرب وبنزعته الدينية الخارجية « 189 » . ولكن يبدو أنّ هذه الازدواجية نفسها هي التي تفسّر لنا رأيه المتناقض في القضية . فنزعته الدينية الخارجية - والخوارج مثل المعتزلة متعصّبون لعقيدتهم والدين بصفة عامة - « 190 » قد أوقفته موقف المدافع عن القرآن باعتباره كتابا دينيّا مقدّسا ، وشعوبيته جعلته يقول بوجود الألفاظ الأعجمية في القرآن « 191 » .
والخلاصة التي نخرج بها ممّا سبق هي أن مواقف هؤلاء المفسّرين والفقهاء - وان اختلفت - هي في جوهرها مواقف توفيقية بين « العروبة » وبين « الاسلامية » في مظهر
هامش
( 187 ) ابن فارس : الصّاحبي ، ص 41 .
( 188 ) نفس المصدر ، ص 62 .
( 189 ) انظر أحمد أمين : ضحى الاسلام ، 3 / 335 - 336 ، وبروكلمان : 2 / 142 .
( 190 ) انظر حول الخوارج ومذهبهم : أحمد أمين : ضحى الاسلام ، 3 / 330 - 347 ، وحول موقفهم من القرآن :BLACHE ? RE , Introduction au Coran , pp . 183 - 184.
( 191 ) انظر حول موقف أبي عبيدةR . HAMZAOUI , L'Emprunt linguistique , pp . 192 - 194.