الفصاحة والبلاغة فنقول : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظة تقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عنها » « 172 » .
وقد علّل الحوئي هذا الاعجاز بتعليلين : أولهما ديني محض ركّزه على فكرة الوعد والوعيد وثانيهما لغوي حضاري وهو الذي يهمّنا . فقد قال : « فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه لأن ما يقوم مقامه إمّا لفظ واحد أو ألفاظ متعددة ، ولا يجد العربي لفظا واحدا يدلّ عليه ، لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس ولم يكن لهم بها عهد ، ولا وضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم ، وانما عرّبوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع لقلّة وجوده عندهم ونزرة تلفظهم به » « 173 » .
فالألفاظ الأعجمية موجودة في القرآن ، وقد فرضت استعمالها الحاجة إليها لعدم وجود ما يقابلها من الألفاظ في اللغة العربية ، ووجودها لا يؤثّر في فصاحة القرآن ، بل يزيد القران إعجازا .
2 - 8 ذلك عرض مجمل لأهمّ مواقف القدماء المذهبية من قضية الاقتراض اللغوي ، وهي - كما رأينا - مواقف ثقافية خارجة عن اللغة
( ex tralinguistiques )
، فكانت لذلك مختلفة لا تخلو من الاضطراب والتناقض نتيجة اختلاف المذاهب التي انطلق منها أصحابها . وإنّ البحث في أسباب هذه المواقف والدوافع إليها - وخاصة المواقف المتعصّبة منها - لمهمّ جدا في ضوء علم اللغة الاجتماعيّ . وسنحاول فيما يلي تبيّن أهمّ تلك الأسباب وخاصة بالنسبة إلى مواقف ابن عبّاس والشافعي وأبي عبيدة وابن فارس .
فابن عبّاس - إن صحّ أن نقول إنه كان ذا موقف وصحّت نسبة الآراء والتفاسير الواردة في كتاب « اللغات في القرآن » خاصة إليه - كانت غايته الدفاع عن الدين الجديد . فهو قد عاش في الفترة الأولى للإسلام وعاش مع النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) فترة من عمره
هامش
( 172 ) السيوطي : المهذب ، ص 103 والاتقان ، 1 / 137 ، وقد حرّف فيه اسم الحوئي فرسم الجويني .
( 173 ) السيوطي : المهذب ، ص 104 والاتقان ، 1 / 138 .