في القرآن ، وقد بقي بعض آرائه متفرّقا في بعض كتب اللغة مثل المعرّب للجواليقي وكتابي الإتقان والمهذّب للسيوطي .
ويبدو أبو عبيد في تلك الآراء مؤيّدا لوجود الألفاظ الأعجمية في القرآن . لكنه وقف منها موقفا وسطا توفيقيّا بين النزعة المؤيّدة لها والنزعة الرافضة . وقد انتقد أبو عبيد أستاذه أبا عبيدة في موقفه ذاهبا مع بعض الفقهاء والمفسّرين من أصحاب النزعة القائلة بوجود الألفاظ الأعجمية في القرآن ، فقال في ذلك : « وروي عن ابن عبّاس ومجاهد وعكرمة وغيرهم في حروف كثيرة أنه من غير لسان العرب ( . . . ) فهؤلاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة ، ولكنّهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هو إلى غيره » « 146 » . ثم هو يحاول التوفيق بين المذهبين والوقوف موقفا وسطا من القضيّة : « والصواب عندي مذهب فيه تصديق بين القولين جميعا ، وذلك أنّ هذه الأحرف أصولها أعجميّة كما قال الفقهاء لكنّها وقعت للعرب فعرّبتها بألسنتها وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربيّة ، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الأحرف بكلام العرب ، فمن قال إنّها عربية فهو صادق ، ومن قال إنّها أعجميّة فصادق » « 147 » .
ويبدو أنّ هذا الموقف التوفيقيّ الوسط سيكون له أثر في نظرة عالم آخر ، هو مفسّر للقرآن وفقيه من أصل غير عربي هو أيضا مثل أبي عبيدة وأبي عبيد ، ونعني به ابن جرير الطبريّ .
2 - 5 فقد أخذ الطبريّ ( ت . 310 ه / 923 م ) « 148 » بمذهب أبي عبيد الهرويّ
هامش
( 146 ) انظر المعرّب للجواليقي ، ص 53 .
( 147 ) انظر الاتقان للسيوطي ، 1 / 138 ، والمهذب لنفس المؤلف ، ص 104 ، والصاحبي لابن فارس ، ص ص 60 - 61 ، والملاحظ أنّ السيوطي في المزهر قد ذكر آراء أبي عبيد مع بعض الاختلاف في العبارة عما ورد في المراجع المذكورة : انظر المزهر ، 1 / 268 - 269 ( وقد أخطأ المحقق فنسب الفقرة في ص 269 إلى أبي عبيدة ) .
( 148 ) الطبري ( أبو جعفر محمد بن جرير - الآملي ، 224 ه / 839 م - 310 ه / 923 م ) : هو فقيه ومفسر ومؤرخ ولد في بلدة آمل من بلدان طبرستان الفارسية . رحل إلى العراق والشام ومصر في طلب العلم ثم نزل بغداد فكان يعلم فيها الحديث والفقه وكان في أوّل أمره يتفقه على مذهب الإمام الشافعي ثم نجح بعد ذلك في تأسيس مذهب خاص به تبعه عليه بعض العلماء ، وقد اشتغل بالتأليف في علوم الحديث -