تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصطلح الأعجمي في كتب الطب والصيدلة العربية — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
اللغة مرآة تعكس الواقع الحقيقي غير المزيف ، كانت - في ظل هذه النظرية السلفية - مرآة للعقيدة والمهاترات المذهبية « 2 » . ولقد حاولنا في عملنا هذا تجاوز هذا النقص ، فعالجنا قضية الاقتراض اللغوي معالجة وصفية تاريخية وثائقية متّبعين منهجية علمية دقيقة تعتمد الاستقراء والوصف انطلاقا من نصوص بعينها هي نصوص علمية وليست نصوصا أدبية ، لأن النصوص العلمية في نظرنا أصدق تعبيرا عن التداخل بين لغة مّا وغيرها من اللغات من النصوص الأدبية ، ثم لأن الاقتراض اللغوي في النصوص العلمية هو الذي يثير - قديما وحديثا - مشاكل عويصة . ولقد بيّن لنا عملنا هذا خسران النظرية السلفية وتعسفها منهجا ومقاربة ومحتوى . ذلك ان من أهم النتائج التي انتهينا إليها من بحثنا في النصوص العلمية القديمة التي استقرأناها حول صلة اللغة العربية بغيرها من اللغات - وخاصة في ميدان العلوم - أن اللغة العربية ، حتى في العصر الذهبي الذي يفترض فيه أن تكون العلوم عربية محضا ، كانت لغة ثانوية بالقياس إلى اللغة اليونانية التي ظلت لغة العلوم المرجع ، وخاصة في ميدان الطب والصيدلة ، وكانت الثقافة اليونانية بالتالي الثقافة المرجع أيضا . وكان العلماء في القديم يأخذون من اللغة اليونانية - ولغات أخرى غيرها - ويقترضون منها دون إحساس بالحرج من ذلك ، رغم أن موقع الثقافة العربية الاسلامية كان موقع قوة لأنها كانت الثقافة الغالبة على الثقافات المجاورة لها مثل الثقافة الفارسية والثقافة العبرية والثقافات الأوروبية الناشئة . وهذا الاعتماد الكبير على اللغة اليونانية في عصر ازدهار الثقافة العربية الاسلامية ينتهي بنا إلى استنتاج مهم ، وهو أنه بقدر ما يكون المجتمع مستقلّا قويا يكون متسامحا متفتحا على الغير ، وبقدر ما يكون ضعيفا متخلفا يكون نقليديا محافظا . وما رأيناه عند المحدثين في عملنا هذا من رفض للاقتراض اللغوي دليل يؤكّد هذا الاستنتاج .
هامش
( 2 ) من أهم ما كتب في هذا الموضوع بحث الأستاذ رشاد الحمزاوي« l'Emprunt Linguistique »وعنوانه الأصلي« I'deologie et Langue »وقد بيّن فيه كيف اتخذت اللغة مطية للعقيدة والمذهبية عند السلفيين من الفقهاء ومفسّري القرآن واتباعهم من العلماء المحدثين . فكانت اللغة - لذلك - عند هؤلاء مرآة تعكس عقائدهم ومذاهبهم وليست مرآة تعكس الواقع اللغوي الحقيقي للاقتراض اللغوي .