الوصف والاستقراء . فسطّحت القضية لذلك وفرض عليها من النظريات والتوليدات ما لا صلة له بالموضوع ، فنسب إلى اللغة ما ليس فيها ، وإلى العرب القدامى ما ليس عندهم ، وقوّلت النصوص القديمة ما لم تقل وأوّلت حسب الهوى والمذهب للانتهاء في الغالب إلى القول بأن ما اقترضته اللغة العربية من اللغات الأخرى ليس إلا نزرا قليلا لا يعتدّ به ، وان الاقتراض اللغوي ليس وسيلة من وسائل الخلق المعجمي والتوليد اللغوي بل هو مسخ للغة وتشويه لها وإفساد لفصاحتها وبلاغتها وعبقريتها .
ولعل أهم النظريات التي استترت بهذه المذهبية هي النظرية السلفية التي تصورت لغة صفوية مثالية على غاية من الفصاحة والصفاء لا تشوبها عجمة ولا يخالطها دخيل ، ورمت بهذا الموضوع - بذلك - في غياهب المستحيلات متحدية النقد التاريخي والمدونات والنصوص التي كان يجب أن تعتمد المصدر والمرجع لما يقرّر من رأي ويتخذ من نظرية في هذا الموضوع . والنظرية السلفية في الحقيقة - بنحوها هذا المنحى ونزوعها هذا المنزع - قد انساقت - عن عمد في الغالب - إلى تستطيح التراث والتعسف المشطّ في النظر إليه والبحث فيه ، وأثبتت أن الفكر العربي فكر حالم ، يتصور الواقع - قديمه وحديثه - حسب ما يتمنى أن يكون وعلى الصورة التي يريدها ويرتضيها وليس حسب ما هو عليه حقا . وإن هذا المنزع في الحقيقة لعين الاغتراب الثقافي . وهكذا فعوض أن تكون
هامش
- و « راتينج » ( ص 206 ) ، و « زرنيخ » ( ص 207 ) .
( 6 ) اهتمام المؤلف بالمعرّبات الأدبية والفلسفية وإهماله المعرّبات العلمية . ويبدو أن ذلك كان متعمّدا لأنه فضل استقراء كتابين فلسفيين من عهد الترجمة - وكتب الفلسفة يقل فيها الاقتراض عادة - على استقراء كتب علمية مثل كتب الطب ، وقد انتهى به ذلك إلى استنتاج خاطئ حول منزلة اللفظ المقترض في اللغة العربية .
( 7 ) نزوعه المبدئي إلى التقليل من منزلة الألفاظ المقترضة في اللغة العربية ، وقد تعمّد ذلك - كما ذكرنا - باستقراء كتب يقل فيها الاقتراض لينتهي إلى استنتاج « أن الألفاظ التي دخلت اللغة العربية إبان أكثر من خمسة قرون ( . . . ) لا تساوي نقطة في بحر ( . . . ) في حين نجد اللغات الأخرى اقترضت من العربية أضعاف أضعاف ما اقترضته العربية ، مثل الفارسية والتركية . وما يقلل من أهمية هذه الألفاظ كذلك أنها لا تعدو أن تكون أسماء لمسميات حسية ( . . . ) ، وليس فيها ما يدل على مفاهيم أو معنويات ، وحتى المصطلحات الفلسفية والعلمية فهي من النزر القليل » ( ص 322 ) .