لقد كانت غايتنا الأساسية من هذا العمل معالجة قضية الاقتراض اللغوي في اللغة العربية . وهي - في الحقيقة - قضية صعبة شائكة . فهي - أساسا - قضية مذهبية إيديولوجية تشوبها العاطفية والقومية اللغوية ، فهي إذن - إن صحّ التعبير - « مادة متفجرة » كانت المعركة فيها قد ابتدأت من القرآن نفسه وتواصلت طيلة عصور الثقافة العربية الاسلامية وامتدت حتى وقتنا الحاضر الذي أثيرت فيه بحدة أكبر وأعنف عمّا كانت عليه في الماضي . انها قضية تطرح مكانة الثقافة والحضارة العربيتين الاسلاميتين ومكانتهما بين الحضارات والثقافات الأخرى ، وخاصّة من حيث أصالتهما واستقلالهما الذاتيّ عن تلك الحضارات والثقافات أو تبعيتهما لها . ولئن كانت تلك المنزلة تقتضي أساسا البحث في التداخل الثقافي بين الثقافة العربية الاسلامية وغيرها من الثقافات لتبيّن درجات التأثير والتأثر في الثقافة العربية الاسلامية ومدى أصالتها بالنسبة إلى الثقافات الأعجمية فان ميدان الاقتراض اللغوي غالبا ما كان في الذهنية الواعية - وغير الواعية خاصة - المقياس الذي تقاس به تلك المنزلة . وذلك ما يجعل من البحث في قضية الاقتراض اللغوي في اللغة العربية ذا أهمية لا تقل عن أهمية البحث في الاقتراض الثقافي .
على أن هذه القضية تزداد في الحقيقة صعوبة وتشعبا بقدر ما نلاحظ :
أ ) أنه لم يسبق لها أن درست دراسة وصفية تاريخية إذا استثنينا بعض المحاولات القديمة المغبونة ، وخاصة محاولتي الجواليقي في « المعرّب » والخفاجي في « شفاء الغليل » ، فهي اذن لا تزال غفلا لم تدرس دراسة علمية دقيقة جادة لتقويمها « 1 » .
هامش
( 1 ) لعلّ المحاولة الجادة الوحيدة التي أنجزت في العصر الحديث هي محاولة الباحث الأردني سميح أبي مغلي ، وهي أطروحة ماجستير بعنوان « اقتراض الألفاظ في اللغة العربية » ، قدمها سنة 1976 لكلية العلوم بجامعة القاهرة ، على أنها لا تزال مخطوطة ، لذلك لم نعلم بها إلا عند انتهائنا من هذا العمل ، -