ناتجا عندهم عن موقف « موضوعي » من اللغة العلمية التي يمارسونها ، لا أثر للمذهبية فيه ، دينية كانت أو قوميّة .
أما ثاني الموقفين فهو النظر إلى اللغة من وجهة مذهبية ايديولوجية محض ، خارجة عن اللغة إما دفاعا عن عقيدة دينية ، أو دفاعا عن عصبية قوميّة أو دفاعا عن الاثنتين معا . وهذا الموقف لم يعدم في الحقيقة الأنصار في كلّ لغات العالم المعروفة ، واللغة العربية من بين اللغات التي كثر فيها أنصاره قديما وحديثا . فقد تبناه ودافع عنه في القديم الفقهاء ومفسرو القرآن - وقد عرضنا آراء أشهرهم في مقدمة هذا البحث - ، واتبعته في العصر الحديث المجامع اللغوية التي أنشئت أساسا للدفاع عن « سلامة اللغة العربية » ، والحفاظ عليها من الغزو الثّقافيّ واللغوي ، وخاصة من الدخيل اللغوي الأعجمي « 121 » . وقد نتج عن هذه النزعة المذهبية في النظر إلى اللغة موقف آخر ، هو « الصفويّة » في معالجة قضايا اللغة وخاصّة في معالجة ظاهرة الاقتراض اللغوي ، ولعلّ أهمّ مثال يمكن الاستدلال به على غلبة الصفوية على رؤية المحدثين في معالجة الاقتراض اللغوي هو خلوّ معاجم اللغة الحديثة - مثلها مثل معاجم اللغة القديمة - من مئات المصطلحات الأعجمية - اليونانية والفارسية واللاتينية والبربرية خاصة - التي تمتلئ بها كتب الأدوية المفردة في اللغة العربية « 122 » .
هامش
( 121 )R . HAMZAOUI , L'Emprunt linguistique , pp . 194 - 195.
( 122 ) لا نجد ذكرا في المعاجم اللغوية الحديثة لمصطلحات أعجمية كثيرة مثل المصطلحات اليونانية « اسيطراطيقوس » و « اسقيليفياس » ، و « اقسياقنتش » و « أوراياسالينون » و « باريكلومانن » و « بطراسالينون » و « بولوبوديون » و « بولوطريخون » و « بولوغاناطن » ، و « بولوقنيمن » . . . الخ ؛ والمصطلحات الفارسية « بنجشكزوبان » و « بيش موش بيشا » و « خشكنجبين » و « خونسياوشان » و « فرود وماهان » و « كاوجشم » و « كشت بركشت » و « كنكرزد » و « ما هو بدانه » و « ماهيزهرة » . . .
الخ ؛ والمصطلحات اللاتينية « ببراله » و « بشكراين » و « بشلشكة » و « شالبية » و « شطرية » و « شقواص » و « صفينة » و « طارطقة » . . . الخ ؛ والمصطلحات البربرية « تاسممت » و « تاغندست » و « تافغيت » و « تامشاورت » و « ترهلان » و « تشتيوان » و « يخصص » . . . الخ . وهذه المصطلحات كلها قد استعملت عند القدماء من المؤلفين في الأدوية المفردة ( وهي جميعها مثبتة في معجمنا ) .