هي نظرية « المتقابلات الكونية » في اللغة
( les universaux linguistiques )
؛ وهذه النظرية يرى أصحابها أن لألفاظ كلّ لغة مقابلات كونية في بقيّة اللغات ، فتكون الترجمة - لذلك - من أيّ لغة إلى أيّ لغة أخرى ممكنة غير مستحيلة ، ما دامت اللغات متشابهة في نظمها الصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية تشابها كبيرا ، وما دام الإنسان على الأرض هو الانسان رغم اختلاف الأمصار وتغيّر العصور « 120 » .
وهذه النظرية تؤدّي في الحقيقة إلى موقفين ذوي تأثير كبير في موضوعية النظرة إلى ظاهرة الاتصال بين اللغات ، أثناء عملية الترجمة خاصة : أولهما الايمان ببطلان مبدأ « الفراغات اللغوية » - المعجميّة وغيرها - في اللغة المترجم إليها ، والفراغ - إذا وجد - في هذه الحالة لا يحسب على اللغة ذاتها بل على عجز المترجم عن إيجاد المقابل الكوني .
وقد ظهر أثر هذا الموقف واضحا في « معجم المصطلحات الطبية » إذ تجنّب فيه المترجمون الاقتراض اللغوي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ولم يلجأوا اليه الا في 1123 مصطلحا بين قديم وحديث نصيب الحديث منها 615 مصطلحا فقط ، وهي التي تعتبر في نظرهم « أعجمية » بحق ، أما بقية المصطلحات المقترضة فقديمة لا يعتدّ ب « بعجمتها » فأعطيت حكم المصطلحات العربية الخالصة ووظّفت لرفع قناع العجمة عن المصطلحات الأعجمية الحديثة . والمترجمون - بهذا المنحى الذي نحوه في معاملة « الفراغات المعجمية » - يختلفون اختلافا جذريا عن المؤلفين القدماء الذين درسناهم ، فقد رأينا أن هؤلاء كانوا يعتبرون الفراغات اللغوية ظاهرة طبيعية في اللغة ، ويذهبون بذلك إلى خطأ نظرية « المتقابلات الكونية » في اللغة ، وخاصة في مستوى المصطلحات الدالّة على « أشياء » بعينها قد يختصّ بها عصر دون عصر ومصر دون مصر . بل إن علماءنا القدماء كانوا كثيري التسامح في موقفهم من تلك الفراغات لأنهم كانوا كثيرا ما يجدون المقابل العربيّ للمصطلح الأعجمي لكنهم يفضلون الأعجمي عليه ، فيوردون الأعجميّ مدخلا معجميا رئيسيّا والمصطلح العربيّ الخالص تفسيريّا ثانويا . وقد كان هذا التسامح
هامش
( 120 ) انظر تحليل هذه النظرية ونقد مظاهر النقص والخطأ فيها عند :MOUNIN , Problemes . pp . 191 - 223.