ويبدو أن النزعة المذهبية - القومية خاصة - كانت غالبة على مترجمي « معجم المصطلحات الطبية » ، تدلّ عليها عندهم صفويتهم المبالغ فيها أحيانا . فهم يفضّلون المصطلح العربي على المصطلح المقترض في الترجمة ، ولو كان لا يؤدّي بدقة معنى المصطلح الأعجمي الأصلي ، وقد ألحّوا على ذلك في قولهم « ولم نعمد إلى التّعريب جهدنا ، للعلم ان استعمال أيّة كلمة عربية قريبة من ذلك المعنى أفضل وأسهل لفهم معناها ووعيها من الكلمة المعرّبة » « 123 » وقولهم أيضا : « في الكلمات التي لم نهتد إلى ترجمة صحيحة لها ، كنا نعمد لوضع كلمة أقرب ما تكون من معناها الصحيح » « 124 » .
فهم اذن يفضّلون المصطلح العربي الخالص « الأقرب » في معناه إلى المصطلح الأعجمي الأصلي على الاقتراض الذي يضمن - على الأقل - المعنى العلمي الدقيق للمصطلح . وهذا المنحى الذي اتبعوه مضرّ جدّا بعملية الترجمة لأنه يوقع في « التقريبيّة » وينزع عن المصطلح العلمي - بذلك - دقته وخصوصيّته .
وقد دفعهم تشبّثهم بالعربي الخالص من المصطلحات ورفضهم للاقتراض اللغوي إلى البحث عن الكلمات العربية القديمة في بطون المعاجم اللغوية القديمة قصد إحيائها .
وهذا « الاحياء » في حدّ ذاته إيجابيّ لأنّه يجعل اللغة تعتمد على رصيدها الخاص ووسائلها الخاصة بها ، ولكنّه يصبح سلبيا عندما يكون منطلقه « التعنّت » المذهبي الذي يفرض على اللغة ما لا تحتمل . بل إنّ هذه النزعة إلى الاحياء تصبح خطرا على تطور اللغة إذا اعتمدت معاجم اللغة العامة القديمة وحدها . ف « لا يصحّ الاعتماد على كتب اللغة وحدها في انتقاء الالفاظ العلمية ، ولا أن ننبش منها ما دفن من الالفاظ ميتة لا يستسيغها عصرنا الحاضر » « 125 » . ثم إنّ لمعاجم اللغة العامّة القديمة عيوبا كثيرة جدا « 126 »
هامش
( 123 ) معجم المصطلحات الطبية ، ص ( أ ) .
( 124 ) نفس المصدر ، ص ( أ ) .
( 125 ) حسني سبح : نظرة في معجم المصطلحات ، 1 / 96 .
( 126 ) قد أثبت مصطفى الشهابي كثيرا منها ، انظر : المصطلحات العلمية ، ص ص 33 - 40 ( فصل :
« عيوب المعجمات العربية » ) .