ثانوية بالقياس إليها لأنها اللغة الواسطة بين اللغة العربية وتلك اللغات . فالمصطلحات الانقليزية والإسبانية - وغيرها من المصطلحات الحديثة غير الفرنسية - قد دخلت معجم كليرفيل عن طريق اللغة الفرنسية نفسها . ثم تأتي بعد اللغة الفرنسية ثلاث لغات قديمة مهمة المنزلة ، هي الفارسية واليونانية واللاتينية ، تتلوها مجموعة من اللغات الثانوية القديمة هي الأرامية والعبرية والمصرية القديمة والسريانية والهندية . وهذه اللغات القديمة كلّها ليست - في الغالب - إلا وسائل قد اعتمدت في نقل المصطلحات الأعجمية الحديثة - فرنسية خالصة كانت أو فرنسية مقترضة - لرفع قناع العجمة عنها . فمعرّبو معجم كليرفيل إذن قد ترجموا مصطلحات أعجمية حديثة بمصطلحات أعجمية قديمة ، معتبرين القديم المقترض من المصطلحات كالعربي الخالص منها ، قد أخذ حيّزه في المعجم العربي وأصبح جزءا منه لفقده عجمته .
وهذه المنزلة التي تتنزلها اللغة الفرنسية في ترجمة معجم كليرفيل العربية تذكرنا بالمنزلة التي كانت للغة اليونانية في كتب المؤلفين القدماء الطبية والصيدلية . فقد كان الأطباء والصيادلة العرب والمسلمون القدماء ، طيلة عشرة قرون تقريبا ، منذ القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي حتى القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي ، يعتبرون اللغة اليونانية اللغة الأكثر عجمة ، المعبّرة عن أهم ثقافة علمية ، فكانوا لذلك يوظفون اللغات الأعجمية الأخرى - اللغة الفارسية واللغات السامية خاصة - في « ترجمة » اللغة اليونانية : سواء ل « تعريب » المصطلحات اليونانية أثناء مرحلة الاتصال بين الثقافة العربية الاسلامية والثقافة اليونانية ، في عصر النقل والترجمة ، أو ل « تفسير » المصطلحات اليونانيّة و « شرحها » أثناء عصور التأليف والابتكار ، وقد رأينا أمثلة من ذلك عند الغافقي في كتاب « الأدوية المفردة » وعند ابن البيطار في كتابي « الجامع » و « التفسير » .
فالوضع قد تغيّر إذن في العصر الحديث ، وحلّت محلّ اللغة اليونانية لغات أعجمية أخرى لدينا منها هنا اللغة الفرنسية ، وقد أصبحت اللغة اليونانية ضمن اللغات « القديمة » الموظفة لرفع قناع العجمة عن اللغة الفرنسية . لقد تطورت حاجة اللغة العربية إذن إلى الاقتراض اللغوي لتطور حاجتها إلى الاقتراض الثقافي . وهذا التطور مهمّ وإيجابي في حدّ ذاته لأنه دالّ على حركيّة اللغة والثقافة العربيتين وحيويتهما . ولكنه لا يخلو من سلبية
المصطلح الأعجمي في كتب الطب والصيدلة العربية — صفحة 299
مساهمون: ابراهيم بن مراد
ص٢٩٩