كذلك لأنه دالّ أيضا على ضعف في اللغة والثقافة العربيتين في العصر الحديث . فهما اليوم تابعتان لغيرهما من اللغات والثقافات تبعية كبيرة جعلت من حاجتهما إلى الاقتراض كبيرة أيضا ، رغم أنهما كانتا لمدة من الزمن غير قصيرة مقرضتين متّبعتين . فهما اليوم تشبهان إلى حدّ بعيد ما كانتا عليه في العصر الأول للاسلام من حيث الحاجة إلى الاقتراض من غيرهما من اللغات والثقافات .
على أن مترجمي معجم كليرفيل قد حاولوا في الحقيقة التقليل من أهمية تلك الحاجة في مستوى الاقتراض اللغوي ، وذلك ما تعبّر عنه على الأقل النسبة الضعيفة للمصطلحات الأعجمية المقترضة - قديمها وحديثها - في ترجمتهم ، فهي لم تبلغ الثمانية بالمائة ( 73 ، 7 % ) ، والمصطلحات المقترضة عندهم لم تبلغ في جملتها الألفين ( 1123 ) من جملة 14534 مصطلحا على الأقل ، ولكن هذا الضعف في كمّ المصطلحات الأعجمية المقترضة وفي نسبتها ليس راجعا في الحقيقة إلى ضعف حاجة اللغة العربية إلى الاقتراض ، بل إلى موقف المترجمين من الاقتراض اللغوي عامة ، وهو ما سنبينه فيما يلي :
2 - موقف المترجمين من المصطلح الأعجمي والاقتراض اللغوي :
لقد عبّر المترجمون بوضوح عن موقفهم من الاقتراض اللغوي في مقدمة ترجمتهم فقالوا : « ولم نعمد إلى التعريب جهدنا ، للعلم أن استعمال أيّة كلمة عربية قريبة من ذلك المعنى أفضل وأسهل لفهم معناها ووعيها من الكلمة المعربة » « 119 » . فموقفهم إذن هو الرفض المبدئي الصريح للاقتراض اللغوي . ولا شكّ أن هذا الموقف المبدئي ناتج أساسا عن إيمان الجماعة ب « قدرة » اللغة العربية قدرة تكاد تكون كلية على استيعاب المصطلحات الحديثة استيعابا شاملا بوسائلها الخاصة دون لجوء إلى الاقتراض . وهم بهذا الموقف الذي اتخذوا يعبّرون في الحقيقة عن إيمانهم أيضا بنظرية لغوية تعتبر الآن قديمة ،
هامش
( 119 ) معجم المصطلحات الطبية ، ص ( أ ) .