بل إنّ كتاب « الكشف » يثبت أنّ هذا المصطلح قد ازداد تميزا وأهمية عما كان عليه في القرن السابع الهجري مثلا ، مع ابن البيطار ، ذلك أن نسبة هذا المصطلح عند ابن حمادوش قد ارتفعت عما كانت عليه عند ابن البيطار . ولعل أهم ما يمكن استنتاجه من بقاء المصطلح الأعجمي متميز المنزلة حتى القرن الثاني عشر الهجري هو تواصل الإيمان عند الأطباء والصيادلة العرب والمسلمين بأهمية الاقتراض اللغوي وضرورة الأخذ به والاعتماد عليه ، وفي ذلك - بالطبع - إيمان بضرورة التفتح على الثقافات الأعجمية والتحاور معها والاقتباس منها . ولعل أهم ما يبرز ذلك في كتاب « الكشف » تفتح مؤلفه على اللغة الإسبانية ، وهو ما لم يسبقه إليه غيره حسب ما نعلم . وهذا التفتح - على قلّة عدد المصطلحات الإسبانية المداخل المقترضة في « الكشف » ورغم تقيّد ابن حمادوش بالسّلف واقتفائه آثار سابقيه من المؤلّفين - يعتبر في حدّ ذاته مهمّا جدا لأنه يثبت أن اللغة العربية في عصر ابن حمادوش أيضا - مثلما كانت عليه من قبل - غير منغلقة على نفسها أو منحصرة في ذاتها . على أن لهذا التفتح عند ابن حمادوش على اللغات الأعجمية أهمية أخرى بالنسبة إلينا ، تتمثل في تعبيره عن موقفه العلمي من اللغات والثقافات الأعجمية ، وهو ما نريد تحليله فيما يلي .
2 - موقف ابن حمادوش من اللغات الأعجميّة :
لم يترك لنا ابن حمادوش موقفا نظريا معيّنا من اللغات الأعجمية يمكن الانطلاق منه في تحليلنا ، على أنه ليس من الصعب في الحقيقة أن نتبيّن ذلك الموقف عنده في مستوى التطبيق ، وخاصة إذا انطلقنا من ظاهرة رأيناها غالبة عليه هي اقتفاؤه آثار القدامى بالنقل عنهم والاعتماد عليهم والأخذ بمذاهبهم . وقد رأينا أن أهمّ ممثل للقدماء - وهو ابن البيطار - كان يغلب عليه الميل الكبير إلى اللغات والثقافات الأعجمية معتبرا الاقتراض منها لإثراء اللغة والثقافة العربيتين ضرورة « 112 » . ولم يكن ابن البيطار في ذلك بدعا ، فقد
هامش
( 112 ) راجع فيما سبق من هذا العمل ص ص 213 - 226 .