اللتان اعتمدهما الأطّباء والصيادلة المغاربة والاندلسيّون في مؤلفاتهم وأدخلوهما في المعجم الطبيّ والصيدليّ العربيّ ، وتلي هاتين اللغتين في الدرجة الرابعة مجموعة من اللغات الثانوية من اللغات السامية خاصّة ، قد فقدت المصطلحات المقترضة منها عجمتها في الغالب وأصبحت من « المعرّبات المشتركة » التي فقدت خصوصيّاتها الأعجميّة .
فابن البيطار إذن قد أحلّ المصطلح العربيّ منزلة كبيرة ومهمّة إلى جانب المصطلح الأعجمي . ولكن هذا المصطلح الأعجميّ ما يزال عنده ذا منزلة متميّزة أيضا ، وذلك يبرز تفتّحه الكبير الواسع على اللغات الأعجمية باعتبار الاقتراض منها يمثل وسيلة مهمّة من وسائل الخلق المعجميّ والتوليد اللغويّ لملء ما في المعجم الطبيّ والصيدليّ العربيّ من الفراغات أولا ، ثم للتميّز الذي ما انفكّ كبيرا للثقافات الاعجميّة الطبية والصيدلية وخاصّة الثقافة اليونانية في عصر ابن البيطار أيضا ، ولهذا التفتّح على المصطلح الأعجمي علاقة بموقف ابن البيطار من اللغات الاعجميّة ومن ظاهرة الاقتراض اللغوي ، وهذا الموقف هو الذي يعنينا تحليله الآن .
2 - موقف ابن البيطار من اللغات الأعجميّة :
لم يسجّل لنا ابن البيطار في كتابه « الجامع » موقفا نظرّيا مّا من اللغات الاعجميّة .
ولكن ليس من الصعب تبيّن ذلك الموقف عنده في مستوى التطبيق . لا شكّ عندنا في أنّ ابن البيطار كان يسعى إلى إثراء المعجم الطبيّ والصيدلي العربيّ وأنّه كان يحاول « رفع العجمة » عن المصطلحات الأعجمية ، فتلك الغاية هي التي دفعته إلى وضع كتابه في « تفسير » المقالات الخمس لديوسقريديس . فقد ذكر في مقدمة كتاب « التفسير » : « لما وقفت من كتاب الفاضل دياسقوريدوس على ما تقصر عنه همم جماعة من المتشّوفين ورأيت استعجام أسماء أشجاره وحشائشه على كافّة المتعملّمين وعامّة الشّادين وتواري حقائقه عن غير واحد من الشجّارين والمتطبّبين عزمت بعون اللّه تعالى على تقريب المرام في ترجمته وتسهيل المطلب في تفسير أسماء أدويته لأكشف عن وجه مقاصده قناع عجمته وأبرزه كالبدر في هالته » « 142 » .
هامش
( 142 ) ابن البيطار : التفسير ، ص 1 ظ .