إنّ هذه الشواهد لتوحي للباحث بأنّ ابن البيطار كان يجيد معرفة اللغة الفارسية إذ لولا تلك المعرفة لما استطاع ان يعرّف المصطلحات الفارسية تعريفا لغويّا صحيحا .
ولكنّنا نعتقد أن في القول بأنّ ابن البيطار كان يجيد معرفة اللغة الفارسيّة مجازفة كبيرة .
فنحن نرى من الشواهد السّابقة أن ابن البيطار لا يتجاوز في شروحه للمصطلحات الفارسيّة التعريفات البسيطة المتّسمة بالحذر الكبير إذ أنّه يكتفي بإيراد المعنى العام للمصطلح الفارسيّ دون ان يتجاوز ذلك المستوى إلى تدقيقات لغويّة فيلولوجيّة أخرى كأن يفسّر كلّ جزء من المصطلح مستقلّا عن الآخر إذا كان المصطلح مرّكبا - مثل « اشترغار » المركب من « اشتر » وهو الجمل و « غاز » وهو الشّوك « 108 » و « ميبختج » المركب من « مي » وهو الخمر و « پخته » ومعناه المطبوخ « 109 » - مثلما رأيناه يفعل من قبل مع المصطلحات اليونانية والمصطلحات اللاتينية ، أو أن يشير إلى طريقة رسم المصطلح الفارسي أو طريقة نطقه . ولعلّ جهله بهذه اللغة - قراءة وكتابة - هو الذي جعله يحجم في كتابه « التفسير » عن إيراد المصطلحات الفارسية مرادفات للمصطلحات اليونانية ، بينما تعمّد إيراد المصطلحات اللاتينية والبربرية - إلى جانب المصطلحات العربية الخالصة - لترجمة المصطلحات اليونانية .
والحقّ أن لا غرابة في أن يجهل ابن البيطار اللغة الفارسية ، قراءة وكتابة ، فهي لم تكن - مثلما أشرنا إلى ذلك من قبل عند حديثنا عن الغافقي « 110 » - باللغة المتميّزة أو المهمّة بالنسبة إلى المغاربة عموما - بما فيهم أهل الأندلس - تميّز اللغتين البربرية واللاتينية وأهميتهما . ثم إنّها لم تكن لغة متميّزة ثقافيا وعلميا بالنسبة إلى العرب عموما تميّز اللغة اليونانية . ثم إنّنا لا نعتقد أن الفرصة كانت سانحة لابن البيطار ليتعلّم اللغة الفارسيّة مثلما سنحت له ليتعلّم اللغة اللاتينيّة في الأندلس وقد كانت لغة علم وثقافة وحياة عامة أيضا لامتزاج العنصر المسيحي الاسباني - والاسلامي الاسباني أيضا - بالعنصر العربيّ ،
هامش
( 108 ) انظر ادّي شير ، ص 10 .
( 109 ) نفس المصدر ، ص 149 .
( 110 ) انظر فيما سبق من هذا العمل ، ص 151 .