انتقاد ابن البيطار للغافقي أكبر دليل على استقلال عمل ابن البيطار عن عمل الغافقي . بل إنّنا نرى في ذلك ظاهرة أخرى أهمّ ، وهي أنّ ابن البيطار كان يفوت الغافقي في القيمة ويتجاوزه في معرفة المادّة الطبية ، وليس في ذلك في الحقيقة من عجب ، لأنّ ابن البيطار كان على علم بنواقص كتاب الغافقي ومظاهر الضعف فيه ، سواء بخبرته الخاصّة أو اعتمادا على أستاذه أبي العباس النباتي الذي ألف كتابا في « التنبيه على أغلاط الغافقي » « 43 » . ولا شكّ أن الأخطاء التي وقع فيها الغافقي في كتابه هي التي جعلت ابن البيطار لا يعتمده الا 230 مرة في كتابه ، بينما كان اعتماده على الرازي وابن سينا كبيرا جدّا ، إذ اعتمد كلّ واحد منهما حوالي 400 مرة « 44 » رغم أنهما لم يؤلفا كتبا مستقلة في الأدوية المفردة .
وما يمكن استنتاجه - أخيرا - من موقف مايرهوف هو أنه متعصّب للغافقي تعصّبا كبيرا ، ولعلّ من أهمّ الأدلّة على تعصّبه - زيادة على موقفه من ابن البيطار - هو جعله الغافقيّ مصدرا لعالم آخر قد عاش في نفس الفترة التي عاش فيها الغافقي ، وهو الشريف الإدريسي الذي توفّي مثل الغافقي سنة 560 ه / 1165 م ، فقد ألف الإدريسي كتابا في الأدوية المفردة هو « الجامع لصفات أشتات النبات » ، ولا أحد يعرف حتى الآن ما إذا كان قد سبق الغافقيّ بتأليف كتابه أو أن الغافقي كان سابقا له ، بل ليس هناك أيّ دليل يثبت أن الإدريسي قد اطلع على كتاب الغافقي أو أن أحد العالمين كان يعرف الآخر بوجه من الوجوه ، ورغم ذلك فإنّ مايرهوف سمح لنفسه بأن يحكم على
هامش
- نذكر من ذلك مثلا قوله في مادة « آالسن » : « زعم بعض الأندلسيين أن هذا الدواء وهو المسمّى باليونانية آالسن هو الدواء المعروف عندهم بالقارة بالقاف وذلك لمنفعته من عضة الكلب الكلب أيضا وليس كما زعم ( . . . ) والقارة هو الدواء المسمى باليونانية سطاخيس » ( الجامع ، 1 / 4 في ط . بولاق - وقد رسم المصطلح اليوناني الأخير فيها سطاخنوس - و 1 / 6 في الترجمة الفرنسية ) والمعني ب « بعض الاندلسيين » هنا هو الغافقي ، فقد ورد في كتابه - في مادة « آلوسن » قوله : « فاما الذي ذكره [ ديوسقريديس ] فان الناس يجعلونه عندنا نباتا يسمونه أيضا الهارة وبعضهم يسميه القارة » ، ( الأدوية المفردة ، ص ص 53 - 54 ، وانظر أيضا ص 30 في المنتخب ، النص العربي ) .
( 43 ) انظر فيما سبق ( في الفصل الأول من هذا القسم ) ص 128 .
( 44 ) انظر في ذلك لكلرك : مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب الجامع ،X / l.