أ ) أن الغافقي ليس أول من ألّف في الأدوية المفردة ، فقد سبقه كثيرون نذكر منهم ابن الجزّار القيرواني الذي ألف قبل سنة 334 ه / 945 م كتاب « الاعتماد في الأدوية المفردة » ، وأبا الريحان البيروني الذي ألف في النصف الأول من القرن الخامس الهجري كتاب « الصيدنة في الطب » ، وابن جزلة الذي ألف في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري كتاب « منهاج البيان فيما يستعمله الانسان » ، وابن بكلاريش الأندلسي الذي ألف حوالي سنة 500 ه / 1106 م كتاب « المستعيني في الأدوية المفردة » . . . الخ . ووجود هذه التآليف في الأدوية المفردة يعني ان الموادّ التي ضمّنها الغافقي كتابه - عدا التي اختصّ بها هو فأدخلها لأول مرة في كتابه - كانت معروفة قبله عند العرب مشهورة بينهم ونقلها هو نفسه عمّن سبقه . فهو إذن ليس أول من ألّف في الأدوية المفردة وموادّ كتابه في معظمها لم تكن مجهولة قبله ، فلا يصحّ - لذلك - أن نعتبره مثلا يحتذى ويقلّد ومصدرا أول لما ألّف بعده ، ولو جاز على ابن البيطار ما ذهب اليه فيه مايرهوف لأجزنا نفس المذهب على الغافقي نفسه باعتباره كان ناقلا هو أيضا عن سابقيه .
ب ) اتخذ مايرهوف موقفه من ابن البيطار بمجرّد اطّلاعه على « المنتخب » الذي وضعه ابن العبري لكتاب الغافقي ، والمنتخب لا يمثّل كتاب الغافقي تمثيلا حقيقا لأنّه ليس الا منتخبا منه مختصرا له قد تصرّف فيه صاحبه في كتاب الغافقي تصرّفا كبيرا « 39 » ، والدقّة العلميّة تقتضي المقارنة الدقيقة العميقة بين كتاب الغافقي الاصليّ وكتاب ابن البيطار . ولكنّ هذه المقارنة نفسها صعبة جدّا ولن تكون الانسبيّة النتائج لأنّ كتاب الغافقي لم يعثر إلّا على الجزء الأوّل منه ، وقد كان على مايرهوف - وقد اطلع على الجزء الأول من كتاب الغافقي - أن يقارن على الأقلّ بين موادّ هذا الجزء والموادّ المماثلة لها في كتاب ابن البيطار ، ولكنه لم يفعل شيئا من ذلك وأصرّ على موقفه الذي انتهى اليه عند اطلاعه على « المنتخب » . وفي هذا المنزع في البحث والاستنتاج تسرّع كبير لا نعتقد أن الدقّة والأمانة العلميتين تقرّانه .
هامش
( 39 ) راجع مقارنتنا بين « المنتخب » وكتاب الغافقي في الفصل الأول من هذا القسم ص ص 134 - 139 .