جدّا نرى أن لا بدّ من إثارتهما أولا حتى نكون مطمئنّين فيما بعد إلى ما سننتهي اليه من نتائج حول منزلة المصطلح الأعجميّ وموقف ابن البيطار من هذا المصطلح في كتابه « الجامع » .
والمسألة المنهجيّة الأولى هي إلى أيّ مدى كان ابن البيطار في كتابه « الجامع » مبتكرا غير مقلّد لغيره ؟ والمسألة المنهجيّة الثانية هي هل كان ابن البيطار يعرف لغة أو لغات أعجميّة ؟
1 - لقد أثيرت المسألة الأولى منذ بداية العقد الثالث من هذا القرن عندما اكتشفت نسخة مخطوطة من « المنتخب » الذي وضعه ابن العبري لكتاب الغافقي « الأدوية المفردة » ، فقد كتب يوسف الياس سركيس سنة 1921 في مجلة المقتطف في تعريفه بتلك النسخة : « وهذا الكتاب النفيس » - أي كتاب الغافقي في الأدوية المفردة - مفقود لا يعرف له أثر ، إنما نقل عنه ابن البيطار جانبا كبيرا من فوائده من كتابه المسمّى « الجامع لمفردات الأدوية والأغذية » ، ويظهر أنّ ابن البيطار استفاد من كتاب الغافقي فائدة لا يزدرى بها ورتّب كتابه على نسق كتاب الغافقي ، انما اختلف المؤلفان في ترتيب أسماء الأعشاب والنباتات لأنّ الأول - أي الغافقي - رتّبها على حروف الهجاء بحسب الأبجدية السّريانية والثاني بحسب الأبجديّة العربيّة . ومن تصفّح الكتابين المذكورين بان له أنّ الفضل في نقل أسماء الأعشاب والنباتات وغيرها عن ديوسقريدس وجالينوس عائد للغافقي أكثر مما هو لابن البيطار ، إلّا أن هذا زاد عليه بعض ملحوظاته ونتيجة أبحاثه » « 35 » .
وقد استهوت هذه الفكرة فيما بعد المستشرق الألمانيّ ماكس مايرهوف فتبنّاها - دون أن يشير ولو مجرّد إشارة إلى سبق سركيس له بها - وأخذ يدافع عنها ، ولكنّه ذهب مذهبا أبعد من مذهب سركيس فاتّهم ابن البيطار بالانتحال والسّطو على عمل الغافقي . وقد عبّر عن موقفه هذا منذ سنة 1930 « 36 » ، ثم واصل الجهر به فيما بعد وخاصّة
هامش
( 35 ) يوسف الياس سركيس : كتاب الغافقي ، ص 232 .
( 36 ) قد عبر عن ذلك للمستشرق الانقليزي سارتون في رسالة خاصة بعث بها اليه في شهر ماي سنة 1930 ، وقد انهم مايرهوف في هذه الرسالة ابن البيطار بانتحال عمل الغافقي وعمل الشريف الإدريسي -