وحضاريا . ولهذه الغلبة - في ميداني الطب والصيدلة - أسبابها التاريخية الموضوعية ، أهمها بالنسبة الينا غلبة العنصر اليوناني في حركة الترجمة العربية في القرن الثالث الهجريّ وبعده ، فقد أقبل العرب على نقل الثقافة الطبية والصيدليّة اليونانية أكثر من إقبالهم على أي ثقافة أخرى . أما اللغة الفارسية فقد كانت بالنسبة إلى العرب لغة مهمة ومؤثرة في اللغة العربية ، ولكن أهميتها وتأثيرها متأتيان من كونها تمثّل بالنسبة إلى اللغة العربيّة طبقة لغوية مجاورة أكثر من كونها لغة ثقافة وحضارة ، بل انها كانت - في ميداني الطب والصيدلة - لغة فقيرة وكانت هي بدورها آخذة من اللغة اليونانية معتمدة عليها منذ القرن السادس للميلاد « 111 » .
أما بقية اللغات المقترض منها في كتاب الغافقي - حسب هذه اللوحة الثانية - فهي صنفان : أولهما ذو أهمية خاصة بالنسبة إلى الغافقي نفسه ويشمل اللغتين اللاتينية والبربريّة اللتين كانتا لغتين ثقافيتين وحضاريتين في الأندلس . أما اللاتينية فقد سبق ان بيّنا أهميتها بالنسبة إلى الأندلسييّن وإلى الغافقي « 112 » ، واما اللغة البربرية فقد كانت مهمة في الأندلس أيضا لكثرة العنصر البربريّ فيها منذ بداية الفتح الاسلامي لها « 113 » . وقد ظلت أهمية العنصر البربريّ تتزايد في الأندلس حتى بسط نفوذه السياسيّ على الأندلس في عهد الدولتين البربريّتين المرابطيّة والموحّديّة ، من القرن الخامس حتى القرن السابع الهجريين .
وقد كانت اللغة البربرية منتشرة الاستعمال في الأندلس زمن هاتين الدولتين « 114 » . أما الصنف الثاني من هذه اللغات ويشمل الهندية والسريانية والعبرية والنبطية والقبطية والمصرية القديمة فهو - حسب رأينا - قليل الأهمية بالنسبة إلى الغافقي . فهي في معظمها وخاصة الهندية والنبطية والقبطية والسريانية - ما لم تكن المصطلحات المقترضة منها مما اعتبرناه « معربا مشتركا » قديما - تمثّل بالنسبة اليه لغات « غريبة »
( exotiques )
ليس لها
هامش
( 111 ) انظر :BROWNE , Medecine arabe , pp . 24 - 25؛ وبروكلمان 4 / 89 .
( 112 ) انظر فيما سبق ص ص 143 - 151 .
( 113 ) انظر البير مطلق : الحركة اللغوية في الأندلس ، ص 20 وص ص 24 - 26 .
( 114 ) انظر :LECLERC , L / B , p . 457، البير مطلق : الحركة اللغوية في الأندلس ، ص ص 29 - 30 ؛ إبراهيم بن مراد : المعرب الصوتي ، ص 67 .