ان هذه الشروح والتعاليق الموجودة عند الغافقي لمهمة جدا للبحث في علاقته باللغة اليونانية . فهي لا تصدر - كما أشرنا منذ حين - الا عن عارف باللغة اليونانية عليم بها .
ولكن هذه الشروح والتعاليق غير كافية في الحقيقة لتجعلنا نعتقد اعتقادا كليّا جازما أنّ الغافقي كان يحسن اللغة اليونانية قراءة وكتابة . ولعل ما يزيد هذا الاحتراز دعما هو ان الغافقي قد صرّح في بعض المواضع من كتابه باعتماده على الترجمات العربية للمصادر اليونانية التي ينقل منها وليس على المصادر اليونانية في لغتها الأصلية . فقد ذكر في مادة « ايرنجي » : « هي القرصعنة ، وسماها حنين في كتب جالينوس اليهوديّة » « 60 » ، وصرح في مادة « الاطي » باعتماده على « حنين في كتاب تدبير الأصحاء لجالينوس » « 61 » ، كما أشار في مادّة « اورنطينوس » إلى اعتماده على تفسير « حنين في كتاب الميامير لجالينوس » « 62 » .
على أن هذا الاحتراز لا يمنعنا في الحقيقة من اعتبار أنّ الغافقي كان يعرف اللغة اليونانيّة « معرفة علمية » . ونعني بالمعرفة العلمية الخبرة بالدّلالات العلميّة الصحيحة للمصطلحات اليونانيّة الطبيّة والصيدليّة . وما استعماله للمصطلحات اليونانيّة استعمالا صحيحا سليما ومناقشاته غيره في ذلك وتخطئته العلماء في استعمالها الا دليل على أنه على علم كبير بتلك المصطلحات . وليس ذلك بغريب في الحقيقة إذا علمنا أن اللغة اليونانية - في ميداني الطب والصيدلة خاصة - هي اللغة الأعجمية الأولى من حيث الأهمية بالنسبة إلى الأطباء والصيادلة المسلمين في القرون الوسطى ، ومن واجب كل طبيب حاذق وصيدلانيّ ماهر ان يدرك معاني مصطلحاتها إذا هو أراد ألّا يقع في الخطأ والزلل ، خاصة وانه - كما يقول ابن البيطار - « لا تقال زلّة العالم لأنه يزلّ بزلّته العالم » « 63 » . ولا شك أن حظوظ الزلل بالنسبة إلى العالم في الطب والصيدلة أوفر عند استعمال
هامش
( 60 ) الغافقي : الأدوية المفردة ، ص 106 .
( 61 ) نفس المصدر ، ص 126 .
( 62 ) نفس المصدر ، ص 132 .
( 63 ) ابن البيطار : الجامع ، 2 / 40 ، وانظر التعليق 317 في مقدمة هذا العمل .