الموضع من جهة اشتراك الاسم في اللغة اليونانية ، وذلك ان « لوطوس » عندهم اسم مشترك في المقالة الرابعة من كتاب ديسقوريدوس بين ثلاثة أنواع من النبات ، وهي نوعا الحندقوقي [ البري والبستاني ] والبشنين . وقد أفرد ديسقوريدوس كلّ نوع من الثلاثة بترجمة قائمة بنفسها وبماهية وطبع ، وزاد فصل ترجمة « لوطوس » الذي هو البشنين منها على الترجمتين الأوليين وهما نوعا الحندقوقى بترجمة دواء آخر لئلّا يقع الوهم من جهة اشتراك الاسم . وقد وقع في الذي منه فزع بتخليط النّقلة وقلّة تثبتهم في النّقل وذلك أن حنينا جعل البشنين لأجل اشتراكه في الاسم مع الحندقوقى من أحد أنواعها كما قد نبّهنا عليه في قوله « وأما الحندقوقى المصريّ فيتخذ منه خبز » . ولم يخلق اللّه قط بمصر حندقوقى يتّخذ من بزره خبز ، وانما اعتمد على كلام ديسقوريدوس فلم يفهم معناه ولا نقله على ما هو عليه . واعلم أنّ العالم أولى النّاس بالتثبت والاحتياط لنفسه ولغيره ، وقد قالت الحكماء : لا تقال زلّة العالم لأنه يزلّ بزلّته العالم . وهذا سواء قد اتفق في هذه المسألة لحنين ، فإنه كان متّفقا على علمه بلغة اليونانيّين وهو من أفضل النقلة فيها ، إلا أنه لم يتثبّت في هذا الموضع فزلّ بزلله جميع من أتى بعده من العلماء » « 317 » .
والحقيقة أنّ ما أشار إليه ابن البيطار من « تخليط النقلة وقلّة تثبّتهم في النقل » مهم جدّا لأنه يثير قضية الترجمة ومشاكلها باعتبارها قضية مناخ وقضية اتنوغرافية وقضية ثقافة وحضارة « 318 » ، ذلك ان الترجمة « ليست محض عملية لغوية ، بل هي عملية
هامش
( 317 ) ابن البيطار : الجامع ، 2 / 40 من ط . بولاق .
( 318 ) يعتبر الجاحظ ( ت . 255 ه / 868 م ) - حسب ع . يدوي( Transmission , p . 24 )أول من انتبه إلى مشاكل الترجمة - النظرية والتطبيقية - فاثارها إثارة منهجية مهمة في كتابه « الحيوان » انطلاقا من حركة الترجمة في عصره ، وله في ذلك نص مهم جدا نورد جزءا منه : « ان الترجمان لا يؤدي أبدا ما قال الحكيم على خصائص معانيه وحقائق مذاهبه ودقائق اختصاراته وخفيات حدوده . ولا يقدر أن يوفيها حقوقها ويؤدي الأمانة فيها ( . . . ) . وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والاخبار عنها على حقها وصدقها ، الا أن يكون في العلم بمعانيها واستعمال تصاريف ألفاظها وتأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب وواضعه ؟ ( . . . ) . ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة ، في وزن علمه