قروح الرئة والصدر ، ومنها السل :
يصف لنا ابن سينا هيئة المستعدين للسل وسحنتهم فيقول : « هؤلاء هم المجنحون الضيقو الصدور العاريو الأكتاف من اللحم ، الطويلو الأعناق المائلوها إلى قدام . والسن الذي يكثر فيه السل ما بين ثمان عشرة سنة إلى حدود ثلاثين سنة ، وهي في البلاد الباردة أكثر . . . وقد يعرض للمسلول أن يمتد به السل ممهلا إياه برهة في الزمان ، وأصحاب قروح الرئة يتضررون جدا بالخريف » . ويميز بين السل وغيره ، كالتهاب الشعب المزمن والريو :
« وقد يطلق اسم السل على علة أخرى لا يكون معها حمى ولكن تكون الرئة قابلة لأخلاط غليظة لزجة من نوازل تنصب إليها دائما وتضيق مجاريها فيقعون في نفس ضيق وسعال ملح يؤدى إلى إنهاك قواهم وإذابة أبدانهم ، وهم بالحقيقة جارون مجرى أصحاب الربو « 1 » » .
أما السل فيذكر من علاماته « السعال ، الذي كثيرا ما يشتد بهم ويؤدى إلى نفث الدم أو المدة ، وحمى دقية لازمة تشتد عند الليل . ويفيض العرق منهم كل وقت ، ويأخذ البدن في الذبول والأطراف في الانحناء والشعر في الانتشار وتبطل الشهوة للطعام » .
وفي ذكر أسباب قروح الرئة ، يطرح علينا اعتبارا جديرا بالتأمل :
« وأما قروح الرئة فقد اختلفت الأطباء في أنها تبرأ أو لا تبرأ ، فقال قوم إنها لا تبرأ البتة لأن الالتحام يفتقر إلى السكون ولا سكون هناك ، وجالينوس يخالفهم ويزعم أن الحركة وحدها لا تمنع الالتحام إن لم تضف إليها سائر الموانع ، والدليل على ذلك أن الحجاب أيضا متحرك ومع ذلك فقد تبرأ قروحه » .
ها نحن أولاء إذن أمام فكر طبي من الطراز الأول ، يحاول أن يتقصى علل الظواهر الإكلينيكية على أساس من فهم وظائف الأعضاء في الصحة والمرض ، وهو في ذلك يعرض وجهات النظر المتباينة ويقارع الحجة بالحجة .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ص 248 وما بعدها .