وهذا تقسيم مورفولوجى بسيط ، يعتمد أساسا على شكل الديدان البالغة كما تبدو للعين المجردة . وما كان للعرب واليونان أن يذهبوا إلى أبعد من ذلك ما دام الميكروسكوب وما يكشف عنه من دقائق تركيب هذه الديدان وأطوار نموها كالبويضات واليرقات لم يكن قد عرف بعد . وللسبب نفسه عجز هؤلاء الأطباء عن فهم مصدر هذه الديدان ، فقالوا إنها تتولد في الأمعاء من البلغم إذا كثر وعفن ، ووضعوا لذلك نظرية طريفة حقا تعتمد على النظرية الأم ، أي نظرية الأخلاط الأربعة . قالوا لما كان اثنان من هذه الأخلاط ، وهما المرتان ( الصفراء والسوداء ) ، مضادين بطبعهما لمزاج الدود قائلين له فضلا عن أن يتولد منهما ، ولما كان الثالث وهو الدم لا ينصب إلى الأمعاء أصلا ، فلا بد أن مادة الديدان هي الخلط الرابع أي البلغم . ودللوا على ذلك بأن الديدان تكون في الذي يكثر من أكل الأشياء الرطبة اللزجة كالفواكه والبقول والألبان واللحم الحام ، وأنها تكون في الصبيان والأطفال والأبدان القليلة المرار أكثر من غيرهم . بل ذهبوا إلى أن هناك علاقة بين شكل الدود ومكان تولده ، فالطوال تتولد في الأمعاء العليا ، وهي لذلك قليلة الخروج ولكنها قد تصعد إلى المعدة وتخرج مع القئ .
والعراض تتولد في الأعور والفولون ، أما الصغار فتتولد في المستقيم ؛ وهي ضعيفة أصغرها قريبة من الدبر لا تقدر أن تتشبت بالأمعاء فتخرج بسهولة إلى المقعدة .
ولكن هذا الجهل شبه المطبق بطبيعة الديدان ودورات حياتها لم يمنع أطباءنا من أن يصفوا أعراضها وصفا دقيقا مفصلا ، وأن يقترحوا لعلاجها الكثير من الأدوية . قالوا إن الديدان أكثر ما تتولد في سن الصبا والترعرع والحداثة ، وهي تهيج عند المساء ووقت النوم أكثر ، ومن أعراضها الجوع والخفتان الشديد لشدة خطفها للغذاء ، والغثيان والمغص ( 1 ) القانون - ج 2 ص 473 وما بعدها .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 72
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٧٢