« المنصوري » فقد نالت عناية فائقة ، وترجمت ترجمة ظلت كلاسيكية تدرس في جامعات أوروبا حتى أواسط القرن السادس عشر على الأقل .
والآن وقد ذكرنا مجمل تاريخ الطب العربي وكيف انتقل إلى الغرب وكيف كانت البلاد اللاتينية متعطشة إليه ، إذا تركنا جانبا كل هذه التفاصيل - وفي رأيي أنها على أهميتها لا تحدد أثر الطب العربي في الغرب - إذا تركناها جانبا فإننا نجد أن الغربيين أفادوا من الطب العربي أمورا كثيرة .
الكتب الجامعة التي تتناول جميع العلوم الطبية وأهمها من غير شك كتاب القانون . وقد أجمعت الأمم العربية واللاتينية قديما على الإعجاب بتأليفه ، ( ولا يزال يتعلم الناس في باكستان الطب كما جاء فيه ) ، وظل الأطباء يدرسونه في جامعات أوروبا حتى منتصف القرن السادس عشر .
وكتاب القانون عسير على من لا يروض نفسه على طريقة التفكير الطبى في العصور القديمة ، وهو يمتاز بالوضوح والتنسيق وحسن التأليف عند من يروضون أنفسهم رياضة خاصة على ذلك . وهو منظم جدا . بل لعل فيه إسرافا في التنظيم والتنسيق . ولا يشك القارئ أن مؤلفه فيلسوف ممتاز ، فهو يستقصى تقسيم الأمراض أو الأعراض أو العلاج وقد يجره هذا الاستقصاء إلى ذكر أمور لا وجود لها في الواقع ، أو إلى شرح أمور نادرة جدا ، حين يستدعى التقسيم المنطقي ذكر هذه الأمور . والفيلسوف يزعجه أن يغفل الأشياء التي يقتضى المنطق وجودها ، وقد لا يزعج الطبيب في شئ أن يغفلها تماما . ولا شك أن ابن سينا كان يرى أن الفلسفة أهم من الطب .
وإن واقع الخبرة الطبية يجب ألا يغير من القضايا الفلسفية الكبرى التي هي ثابتة ببراهين لا تقبل النقض ، ومن هنا كانت ثقة الأطباء في ذلك العصر في الكليات وحملهم كل ظاهرة على الخضوع لهذه الكليات مهما يكن التأويل عسيرا ملتويا ؛ وهذه سمات العلم في القرون الوسطى . وكتاب القانون
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 39
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٣٩